لم يكن مرور العشر أشهر الماضية عاديًا، فقد كان ناقصًا في كُل شيء، في اللحظات التي كانت دموع الحُزن تختلط به مع الفرح، وتحقيق الأمنيات التي باتت ناقصة دون جدتي شعيع، مِن ترقية وتخرج وحتى الولادة، كُلها أخبار سارّة ينقصها دعاء جدتي، فلم يكن ليواسينا إلا وجود جدي العزيز، الذي احتفلت معه بتخرجي بتاريخ ٢ يناير، كُنت سعيدة بوجوده في منزلنا، وأسعد برؤيته لي بعباءة التخرج، وتهنئته لي، “يا دكتورة”
لم اكن اعلم بأنه يفصلنا ٢٩ يومًا عن وفاته، وقبل رؤيته لي بتحقيق حُلمه الذي بإذن الله سأسعى جاهده لتحقيقه، لم اتخيل ان هذا المقطع سيكون مُجرد ذكرى مؤلمة، كُنت قد اهديتهم بحثي، ثوابًا وامتنانًا وعرفانا، لم احظى بفرصة إخبارهم بذلك، بأنني سطرت الأحرف ممتنة لهم، فقد كانت ثقيلة هذه السنتين، لم يكن يفصلهما متنفس، متنفس بسيط يحملنا استيعاب حجم الفقد، فلم تكن الأيام التي مضت عادية ابدا، فالدموع التي لم تجف من عين أمي، والأخبار السعيدة التي كنا نتهافت بها، كانت مصدر بكاء لها، تتذكر بها التفاصيل التي افتقدتها بجدتي، فلا تلام بذلك، إن الأب والأم عامودا ومتنفس الحياة، حتى لو أنك كبرت، واصبح أبناءك بطولك، لا تشبع من ذلك الحُب الممتد منهما، ضحكتهما، وسعادتك بوجودهما، والأعياد التي لطالما كنا نحتفل بها بجانبهما، كان حنونًا بشكلٍ احتوانا به جميعنا، كان رحيمًا وعظيمًا، فلم يكن أبًا لأبنائه فقط، كان أبًا لجميع من حوله، فقد احتواهم بحبه ورحمته وحنانه، كان مؤذنًا شهدت خطواته، وصوته، سعيه للنداء حي على الصلاة حي على الفلاح، فقد كان مؤمنًا وقورًا ومُحبًا للعِلم والطاعة، فكان نورًا يضيء المجلس الذي يدخله، فلا يمل من العطاء ولا لسانه من الذكر، فاليوم ترثيه الأرض التي زرعها، والأحفاد الذين احتواهم، والأصدقاء الذي كان أبًا لهم، والأرض التي مشى بها، والزوايا التي احتفظت برائحته، فهان المصاب، حين خُيل لي اللقاء، لقاءه بمحبوبته التي أعياه فراقها، وأعيانا فراقهما جميعا، فقد كانا خير مثال يُضرب به في معاملتهم الرقيقة مع الآخرين، مراعاتهم، مساندتهم، فكانوا فاضلين مُخلصين، كُل خطوة يحذونها حذو النبي صلى الله عليه وسلم،
فقد كان جدي بسيطًا وودودًا ورحيمًا، يفرح بوجوده الأطفال، ويستبشر بحضوره الكبار، فقد كان مساهمًا في العطاء وخير مُرشد في النصيحة، كان يقوم بواجباته الدينية حتى مماته، فسيرتهم العطرة كانت مواساة عظيمة تُجبر بها القلوب.

أضف تعليق