الصعود الزائف مِن الدرج الكرتوني

في ساحة العمل التي تتسم بالتنافس المحموم والسعي الدؤوب نحو قمم الإنجاز، تظهر بين الحين والآخر ظاهرة الموظف الذي يختار الصعود على أكتاف غيره كطريق مختصر نحو تحقيق طموحاته الشخصية. هذه الظاهرة، التي باتت تتكرر بصورة ملحوظة في بيئات العمل، تحمل أبعادًا سلبية تؤثر على الفرد والمجموعة على حد سواء، وتستدعي التوقف والتأمل في آثارها العميقة.

إن الصعود الحقيقي في الحياة المهنية يتطلب من الفرد أن يلعب “شطرنج واقعه” بمهارة وذكاء، معتمدًا على التحليل الدقيق، والتخطيط المستقبلي، وبناء علاقات مهنية قائمة على الاحترام والتعاون. غير أن البعض ينجذبون إلى بريق الإنجازات السريعة، غير مدركين عواقب الأساليب الملتوية التي يسلكونها. هؤلاء الأفراد يتجاهلون قيم النزاهة وروح الفريق، ويتسلقون على جهود زملائهم في سبيل تحقيق مكاسب آنية قد تؤدي إلى صعود زائف ومؤقت.

مثل “الدرج الكرتوني” الذي يصعد عليه هؤلاء الأفراد، كل درجة منه تحمل خطر السقوط، والقمة التي يصلون إليها لا توفر الأمان، بل تجعل السقوط منها أكثر دويًّا وإيذاءً. الدرج المصنوع من ورقٍ هشٍ قد يتحمل خطوات مترددة لبعض الوقت، لكنه لا يقوى على دعم الثقل المتزايد للطموحات الزائفة. الموظف الذي يعتمد على استغلال مجهودات الآخرين يعكس قيمًا أخلاقية مشكوك فيها ويخلق بيئة عمل مشحونة بالتوتر والشكوك. قد يلجأ إلى أساليب مثل تلميع صورته على حساب زملائه، أو التقليل من قيمة مجهوداتهم لتبرز مساهماته بشكل غير مستحق. في بعض الأحيان، يصل الأمر إلى التلاعب بالمعلومات واختلاق روايات مضللة.

ولكن، هل تؤدي هذه الأساليب إلى نجاح حقيقي؟ الحقيقة أن هذا النجاح، إن تحقق، يكون هشًّا وزائفًا. العلاقات المهنية المبنية على الأنانية والخداع لا تصمد طويلًا، إذ يزرع هذا السلوك بذور الشك والريبة بين الزملاء ويقوض الثقة في بيئة العمل. الموظف الذي يصعد على أكتاف غيره يفتقر إلى صلابة الشخصية التي تؤهله لمواجهة التحديات الكبرى في المستقبل.

تتعدد الأسباب وراء هذا السلوك؛ قد تكون مرتبطة بالشعور بعدم الأمان أو ضعف الثقة بالنفس، مما يدفع الشخص للبحث عن الطرق الأسهل لإثبات ذاته. كما أن بيئات العمل التي تعتمد على قياس الأداء بالنتائج دون اعتبار للقيم الأخلاقية أو التعاون الجماعي تسهم في تفشي هذه السلوكيات.
ولمعالجة مثل هذه الظاهرة، يجب على إدارات المؤسسات اتخاذ إجراءات جادة لتشجيع ثقافة العمل القائم على التعاون والنزاهة. يجب وضع معايير تقييم تعكس القيم الحقيقية للعمل الجماعي والجهود الفردية، وتطبيق سياسات شفافة تقدّر كل فرد بناءً على إسهاماته الفعلية. كما أن التدريب على القيادة الأخلاقية وتعزيز النزاهة بين العاملين يُسهم في خلق بيئة عمل صحية ومستدامة.
الارتقاء في بيئة العمل لا ينبغي أن يكون عبر درجٍ كرتونيٍ هش، يخسر فيه الجميع لصالح نصر فردي زائف، بل يجب أن تكون رحلة ترتكز على الصدق، التعاون، والاعتراف بأهمية كل فرد في نجاح الفريق. هذا هو الصعود الذي يصمد أمام تقلبات الزمن ويجعل من صاحبه عنوانًا للنجاح المستحق.

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑