خلف كل ضيق مدوٍّ، فرحٌ يختبئ، فلا حزن يستمر ولا شدة تدوم. فقد يأتي الفرح في أوقات غير متوقعة، وكأنه يُزهر من قلب الألم ليُثبت لنا أن وراء كل ضيق حكمة، ووراء كل صبر فرج، فقد كتبت هذا النص في خضم الوجع، والاحتراق:
كتبتها بيأس في تاريخ ١٤ مايو ٢٠٢٤م
“الجوع والشبع ؛ ليس حديثًا عن معدة ممتلئة أو فارغة!.”
بعد تجربتي، للعمل بشكل فعلي، والخوض في حقيقة بيئة العمل والتي أراها بعين الموظف البسيط، الذي تكمن جلّ امتيازاته في المعاش آخر الشهر، دون أي ميزة أخرى قد يطمح إليها أو مسمى وظيفي يسعى له، أو حتى سلم أمان يتكأ عليه، يعمل بجدٍ مُشبع بالخوف، يعيش داخل دوامة من التوترات التي باتت واضحة على يديه، فالجروح التي حول اظافره لكبح مخاوفه واضحة، إندفاعه خلف الشائعات واللهث وراء الأمل الذي يبدو كأنه سراب، فينظر بعين الجائع على وجبة شهية، ليراه الآخرون بمنظر الطمّاع، ألا يكفي أنك تعمل؟، فغيرك جائعٌ لمكانك!، فلم أجد أن في بيئة العمل شخص شبع، وهذه ميزة!، ميزة التنافسية التي خلق عليها الإنسان، فالصالحون يتنافسون للفردوس، والعاملون يتنافسون للمناصب، والطلاب يتنافسون للامتياز، والجميع يتنافس، إلا المُحبطين الذين وجدوا أنفسهم داخل جدار مُصمت، وحقيقة غائبة، وواقع يتجاهلهم، وطريق للمجهول، هل هنالك إختلال في أهدافهم؟ أم أن الحياة داخل العمل ترفض وجودهم أصلاً؟، فتجدهم مجرد آلات تعمل، وتكابد الحياة بخسائر كبيرة، وربح مادي، لأن الربح في معاش أخر الشهر فقط، ليس هنالك دافع آخر يجرّهم خلف الجهد الذي تكمن نهاياته السعيدة بترقية أو منصب، أو حياة كريمة بتأمين طبي يلملمون به جروحهم داخل عيادة المعالج النفسي، جروح الإحتراق الوظيفي الذي ولدته قسوة بيئة العمل، ودموعهم التي شهدت عليها سجادات الصلاة، ودورات المياة، وأسفل طاولة المكتب، وخلف الأبواب المغلقة، يستيقظون صباحًا، وهدفهم الوحيد هو إنهاء المهام المكلفين بها، واستقبال مهام جديدة، ومحاولات إبداعية فاشلة، وأكل الشوكلاته التي يحاولون أن تكون النور داخل الجدران التي تفتقر الشبابيك، فينظر الأقرباء إلى بدانتهم، ويشبعونهم بنصائح الحمية الغذائية، وينقمون على هدوئهم، الذي يصمت ضجيج عقولهم، هل سنستمر بهذا الأسى؟، أم أن هنالك فرج قريب؟ هل يمكن أن يتحول هذا السيناريو المُحبط إلى قِصة كفاح؟ أم أننا نقضي حياتنا فقط لنقبض المال الذي ينتهي في نفس اللحظة أثر الإلتزامات المادية، هل هنالك حقيقة توزيع المصاريف؟ التي لا يبقى لها إلا خمسة ريالات للرفاهية؟، التنظير للمنظرين أسهل من شربهم لفنجان القهوة الذي تبلغ قيمته أكثر من عشر ريالات !
وقبل أسبوعٍ من الآن أحببت أن أشكر الله الذي رزقني من غير حولٍ مني ولا قوة رزقًا لم أكن أتخيله، وسنوات عديدة قضيتها في مقابلات لنفس الجهة دون أن يكتب لي رزق فيها، فسبحانك ربي الذي يوزع الأقدار، ويختار اللحظة المناسبة، فقد صادف عدم تجديد عقدي، تأسيس قسم جديد للجهة التي أعمل بها الآن، دون أي أستعداد، دون ثقة بالقبول، ولكن ثقتي بالله وحده كانت كافية، أتذكر دائمًا كيف كنت أقول بأنني سأحصل على وظيفة جيدة، بتأمين طبي، وبحقوق واضحة! وقد رزقني الله دون جهد مني، فقط سعيت! والله لساعين خير مُعين
في هذا التاريخ، كتبت كلماتي تلك بيدٍ مُتعبة، وذهنٍ مثقل بالهموم، وقلبٍ تملؤه الحيرة والخوف من المجهول. كتبتها وأنا أتأرجح بين رغبة في الاستسلام وأملٍ ضعيف ينبض بالبحث عن الأفضل. يومها، كنت أرى في عدم تجديد عقدي مخاطرة، خطوة قد تقودني إلى ضباب لا أعرف نهايته.
لكنني كنت أعلم، في قرارة نفسي، أن الألم الذي خطّته يدي ليس مجرد كلمات على ورق، بل هو تعبير عن حاجة عميقة إلى التغيير، إلى حياة أكثر عدلاً وإنسانية.
لم أكن أتوقع، بعد هذا القرار، أن الأبواب التي أغلقتها ورائي ستفتح لي أبوابًا أخرى.
لم أدرك حينها أن خروجي من تلك الدائرة المظلمة كان بداية رحلتي نحو ما أستحقه حقاً.
كانت الطريق طويلة، والعناء مضاعفاً، لكنني وجدت نفسي حين تعلّمت كيف أستعيد ثقتي وأستمد قوتي من ضعفي السابق، من انكساراتي الصغيرة.
وفي كل خطوة جديدة، كنت أزداد يقيناً أن تلك اللحظات الصعبة كانت ضرورة، كانت دروساً تعلمت منها معنى أن أتمسك بما أستحق، أن أبحث عن مكاني الحقيقي، بعيداً عن قيود الراتب وحدود المناصب. أدركت أن قيمتي أكبر من رقمٍ في حساب، وأن رضاي عن نفسي أعظم من أي مكافأة سطحية.
أكتب هذه الكلمات اليوم لأقول إنني وجدت ضالتي بعد رحلة شاقة. لقد صار لدي – بفضل من الله تعالى- مكان أجد فيه نفسي، بيئة تدعمني، وتمنحني الشعور بأنني أحقق شيئاً يستحق.
اليوم، أقف أمام ذلك الماضي بابتسامة، شاكرةً تلك اللحظات القاسية التي دفعتني لأصبح أقوى، لأرى نفسي بوضوح، ولأدرك أن الحياة أحياناً تكافئنا حين نتحلى بالشجاعة ونُحسن الظن بالله.
“

أضف تعليق