حين يصبح الأمان قيدًا!

مؤخرًا، كنت أتحدث مع صديقة عن مخاوفها من التغيير. كلماتها أثارت في داخلي تساؤلًا عميقًا: لماذا يشعرنا التغيير بالخوف والقلق، بينما نظل عالقين في الروتين ومنطقة الراحة التي قد تُشعرنا أحيانًا بالكتمة؟

وجدت نفسي أفكر في هذا الشعور الذي أعيشه شخصيًا في كثير من الأحيان، تلك اللحظات التي يحيطك فيها الروتين كجدار غير مرئي. يبدو مألوفًا، ويمنحك شعورًا بالاستقرار، لكن مع مرور الوقت يبدأ هذا الروتين بالضغط عليك كأنه سجن نفسي.

لماذا يتعلق الإنسان بالروتين؟ الروتين يخلق شعورًا بالسيطرة والأمان. نحن نعرف ما سيحدث كل يوم، ونتجنب المخاطر. لكن هذا الأمان ظاهري. النفس البشرية بطبيعتها تبحث عن التغيير، من منظور علم النفس، يرتبط خوفنا من التغيير بآليات بيولوجية وتطورية معقدة. الدماغ البشري مصمم للبحث عن الأنماط والتنبؤ، وهي استراتيجية بقائية للحماية من المخاطر المحتملة. فالروتين يمثل حالة من “التوقع المعرفي” الذي يمنحنا شعورًا بالسيطرة والأمان.نظرية التكيف المعرفي توضح أن الدماغ يستهلك طاقة أقل عندما يتبع أنماطًا مألوفة. كل مرة نواجه فيها وضعًا جديدًا، يحتاج الدماغ لبناء مسارات عصبية جديدة، وهو ما يتطلب جهدًا معرفيًا إضافيًا. لذلك يقاوم عقلنا اللاواعي التغيير كآلية دفاعية لتوفير الطاقة وتجنب المجهول.

هذه الآلية العصبية تفسر لماذا نشعر بالقلق والتوتر عند مواجهة أي تغيير، حتى لو كان إيجابيًا. فالهرمونات مثل الكورتيزول (هرمون التوتر) ترتفع مستوياتها، مما يزيد من حالة الحذر والقلق.

بالإضافة لذلك، يلعب “التحيز المعرفي للحفاظ على الوضع الراهن” دورًا مهمًا. وهو ميل نفسي يجعلنا نفضل الوضع الحالي المعروف على التغيير المحتمل، حتى لو كان هذا التغيير قد يحمل فرصًا أفضل.

وعندما نبقى في منطقة الراحة لفترة طويلة، تبدأ عقولنا في إرسال إشارات مثل الكتمة أو القلق.

المشكلة لا تكمن في الروتين بحد ذاته، بل في التعلق به بشكل مفرط. يصبح الخروج منه مرعبًا لأننا نخاف من المجهول. هذا الخوف يجعلنا نتردد أمام أي تغيير، مهما كان بسيطًا: سواء كان سفرًا إلى مكان جديد، تجربة وظيفة مختلفة، أو حتى إجراء تعديل صغير في حياتنا اليومية.

أما بالنسبة لي، فأنا شخصيًا أعاني من الشعور بالكتمة أو كما يسميها الآخرون “ضيقة الصدر”، كأن شيئًا ثقيلًا يجثم على قلبي. فما الذي يجعلنا نشعر بالكتمة عندما نواجه التغيير؟

الشعور بالكتمة ليس عدواً، بل هو رسالة من داخلنا. إنه تذكير بأننا بحاجة إلى التغيير، إلى التنفس خارج حدود المألوف. القلق من المجهول أمر طبيعي، لكنه يصبح عائقًا عندما يمنعنا من الخروج من منطقة الراحة.

كيف نتعامل مع هذا الشعور؟ لمواجهة هذه الحالة، يجب اتخاذ خطوات بسيطة:

1. التغيير التدريجي: لا داعي للخطوات الكبيرة. أحيانًا يكفي إجراء تعديل صغير لتشعر بالفرق.

2. إعادة صياغة المجهول: بدلًا من أن نراه كمصدر للخطر، يمكننا رؤيته كفرصة للتعلم.

3. تقبل المخاوف: لا بأس بالشعور بالخوف، لكن لا تدعه يوقفك.

4. البحث عن الفوائد: فكر فيما ستكسبه بدلًا من التركيز على ما قد تخسره.

الروتين ومنطقة الراحة قد يكونان ملاذًا مؤقتًا، لكنهما ليسا وجهة دائمة. الشعور بالكتمة والقلق هو دعوة للتحرك، للتجربة، وللخروج من القيود التي فرضناها على أنفسنا. الحياة لا تنتظر داخل الحدود، بل تبدأ خارجها. التغيير، مهما بدا مخيفًا، هو الطريق الوحيد للنمو واكتشاف الذات.

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑