الصمت حكمة قليلٍ فاعله!

في عالمٍ يُغرقه الضجيج وتستنزفه الثرثرة، يبقى الصمت قيمة نادرة، قوةً خفية لا يدرك عظمتها إلا الحكماء. الصمت ليس غيابًا للكلام، بل هو توازن داخلي وسلوك ينبع من عمق الروح ووضوح الفكر. إنه موقف لا يتخذه إلا من امتلك نضجًا يجعله يزن الأمور بحكمة، وقوةً تُغنيه عن الانفعال أو الانجرار إلى صخب لا طائل منه.

لطالما سمعت عن جدي ناصر – رحمه الله-، الذي غاب عن دنيانا قبل أن أُولد، لكن حضوره في حياتنا كان دائمًا من خلال قصص عائلية تُظهر حنكته، وصبره، وحكمته التي أصبحت إرثًا لا ينضب. من بين أعظم ما تناقلناه عنه مقولته الخالدة: “الصمت حكمة قليل فاعله”.  وهي حكمة منقوله عن سيدنا داوود عليه السلام.

هذه العبارة البسيطة في ظاهرها، كانت وما زالت مرآةً تعكس عمق تجربته في الحياة، وكأنها وصية تركها لنا لنفهم من خلالها سر التريث، والسكينة، وقوة الصمت.

رغم أنني لم أحظَ برؤية جدي أو سماع صوته، إلا أنني أشعر وكأنني عايشته من خلال كلماته التي أصبحت جزءًا من ذاكرتنا العائلية. الصمت بالنسبة لجدي لم يكن عجزًا عن الرد، بل كان حالة من السيطرة على الذات، وفهمًا عميقًا للحياة. تعلمت من قصصه أن الكلمات لا تُقال عبثًا، وأن للصمت أوقاتًا يكون فيها أبلغ من كل حديث.

أتذكر كثيرًا مواقف واجهتها في حياتي، شعرت فيها أن الصمت كان الخيار الأصعب، ولكنه الأصوب. أحيانًا، كان الرد على الاستفزاز أو الإهانة بالصمت يمنحني قوة داخلية ويعبر عن ثقة لا تهتز، وأحيانًا كان الصمت أمام الضجيج وسيلة لتأمل ما يجري واتخاذ قرارات أكثر حكمة. في كل تلك اللحظات، كنت أشعر بأنني أسير على خطى جدي، مُستعينةً بتلك البوصلة التي تركها لنا، تلك العبارة التي تختزل فلسفةً عميقة في الحياة.

فـ والدي، الذي عايش جدي وتعلم منه مباشرة، كان دائمًا يعكس لنا حكمة الصمت التي عاشها.

فعرف عن والدي بأنه لا يتحدث إلا حين يوقن أن كلماته ستُحدث أثرًا أو تضيف معنى. أما في غير ذلك، فكان يختار الصمت، وهذا نابع عن ثقةً بأن الحكمة لا تحتاج إلى صخب وثرثرة هذه الفلسفة لم تكن مجرد سلوكٍ شخصي لوالدي – حفظه الله-، بل كانت إرثًا انتقل إليه ونقله إلينا. كانت بمثابة شعلة نور تُضيء طريقنا، تعلمنا أن القوة ليست في الصوت العالي، بل في السيطرة على النفس، وأن الحياة لا تحتاج إلى كثيرٍ من الكلام لتُفهم، بل إلى كثيرٍ من الإنصات والتفكير.

حين أنظر إلى هذه الحكمة اليوم، أدرك أنها ليست مجرد نصيحة تُقال، بل هي طريقة حياة. الصمت الذي علّمنا إياه هو لغة للسلام الداخلي، ولغة للقلوب. هو القوة التي تجعلنا نختار التريث بدلًا من التسرع، والإنصات بدلًا من الجدل، والتفكير بدلًا من الانفعال.

مما جعلني أشعر أن جدي ناصر -رحمه الله-، رغم غيابه الجسدي، حاضر في كل لحظة أختار فيها الصمت على الكلام. حكمة الصمت التي عاش بها تحولت إلى إرث خالد نتمسك به، إرث يمنحنا القوة والسكينة في عالمٍ يزداد ضجيجه يومًا بعد يوم. هكذا يبقى جدي جزءًا من حياتنا، ليس بصوته أو ملامحه، بل بحكمته التي تسكننا، وترشدنا لأن نعيش الحياة بقوة الصمت وعمق معناه.

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑