كعادتي في كل صباح، أدخل المكتب وأفتح تقويم أم القرى، لا لأعد الأيام فقط، بل لأبحث عن تذكرة تشدني نحو التفكر في معاني الحياة.
صباح اليوم الثلاثاء من شهر كانون الأول حملني بعيدًا مع هذه العبارة القوية: “خف دمعة المظلوم فهي سريعة طلعت فجاءت بالعذاب النازل”.
كلمات ثقيلة، كأنها جرس يدق في أعماق الروح ليوقظني من غفلة البشر عن أكثر ما يمزق الأواصر ويهدم القلوب: الظلم.
الظلم ليس فعلًا عابرًا، بل هو سكين ينغرس في قلب المظلوم. قد يغتر الظالم بقوته أو منصبه أو قدرته على إخفاء أفعاله، لكنه ينسى أن دعوة المظلوم ليست كغيرها، فهي ترتقي مباشرة إلى الله، لا يحجبها باب ولا يؤخرها حجاب.
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: “وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون” (البقرة: 11).
فكم من ظالمٍ يدّعي الإصلاح وهو يزرع الظلم في طريقه؟
وكم من مظلوم صبر وتحمل ليخرج من قلبه دمعة واحدة، تختصر كل معاناته وآلامه؟
الظلم يتلون بألوان مختلفة، بعضها واضح وبعضها يختبئ خلف قناع زائف:
• ظلم الكلمة: حين تُقال الكلمات الجارحة أو يُلفق الكذب، ويكون ذلك ضربًا من الظلم. ربما تُلقى كلمة باستهتار، لكنها تثقل روح إنسان وتُطفئ فيها نور الأمل.
• ظلم العمل: يعصف بمجتمعات بأكملها، حين يُحرم المجتهد من تقديره، أو يُهان العامل البسيط وهو يكدح ليحصل على قوت يومه.
• ظلم العلاقات: حين يُنكر المعروف أو تُقابل المودة بالجفاء، يصبح الظلم جرحًا دائمًا في العلاقات الإنسانية.
دمعة المظلوم ليست مجرد دمعة، إنها دعاء مكثف، يحمل في طياته قهرًا وألمًا وخيبة، لكنها أيضًا قوة. تلك القوة التي تجعلها ترتفع سريعًا إلى السماء، لتقف بين يدي الله الجبار.
ما أعظم تلك اللحظة التي يرفع فيها المظلوم يده إلى السماء، يبوح بما يعجز عن قوله للبشر، ويترك أمره بين يدي عدل الله!
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تُرفع فوق الغمام،
ويقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين”.
أفلا يخاف الظالم من الله؟ أفلا يرتاح المظلوم ووعد الله حق؟
العدل ليس رفاهية ولا اختيارًا، بل هو واجب أخلاقي وديني، وهو ميزان الحياة.
فالظلم، وإن بدا كأنه قوة، هو في حقيقته ضعف وهزيمة. إنه السقوط في اختبار الإنسانية.
عبارة اليوم في تقويم أم القرى ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي مرآة تعكس حقيقة الحياة.
كم مرة كنا مظلومين ورفعنا أيدينا بالدعاء؟
وكم مرة كنا ظالمين دون أن ندرك؟
هذه اللحظة، لحظة القراءة والتأمل، هي فرصة لنراجع أنفسنا: هل ظلمنا أحدًا؟
هل نحن مسؤولون عن دمعة سالت بسببنا؟
نسأل الله ان يجعلنا صوتًا للعدل، ويدًا تُمد للرحمة، والله يرزقنا الحذر في أن نكون يومًا سببًا في دمعة ترتفع فتفتح أبواب السماء للعذاب النازل.

أضف تعليق