يُخطئ من يظن أن كل القلوب تستحق العطاء، أو أن كل الأيادي الممدودة تستحق المساعدة. في غمرة طيبتنا المفرطة، نرمي درر معروفنا في بحيرة راكدة، ظناً منا أن الطين سيتحول إلى لؤلؤ! ولكن، كم من مرة اكتشفنا أن المعروف حين يُصنع في غير أهله، يتحول إلى خيبة أمل قاسية؟
يُحكى قديمًا أن جماعة من العرب خرجوا للصيد، فطاردوا أنثى الضبع المعروفة باسم “أم عامر”، التي هربت منهم مستجيرة لمنزل رجل أعرابي. رأى الأعرابي أنها مرهقة من المطاردة، فرقّ قلبه وأشهر سيفه قائلاً: “هي في جواري، ولن تصلوا إليها ما دام هذا السيف بيدي.” انصرف القوم، ونظر الأعرابي إلى أم عامر بحنان، فسقاها من حليب شاته حتى استعادت عافيتها.
لكن ما كان جزاء الإحسان؟
في الليل، بينما كان ينام مرتاح البال معتقداً أنه فعل خيراً، انقضت عليه الضبع، فمزقت بطنه وقتلته غدراً. وفي الصباح، عثر ابن عمه عليه جثة هامدة، فاقتفى أثر الضبع وقتلها، قائلاً أبياته التي صارت مثلاً يتردد على مر العصور:
ومنْ يصنع المعروفَ في غير أهلهِ
يلاقي الذي لاقى مجيرُ أمِّ عامرِ
أدام لها حين استجارت بقربهِ
طعاماً وألبانَ اللِّقاحِ الدرائرِ
وسمَّنها حتى إذا ما تكاملتْ
فرتهُ بأنيابٍ لها وأظافرِ
فقل لذوي المعروفِ هذا جزاءُ منْ
بدا يصنعُ المعروفَ في غيرِ شاكرِ
كم مرة نصادف في حياتنا من يشبه “أم عامر”، نمنحهم من أرواحنا قبل أيدينا، فنزرع في بستانهم ورداً، ليغرسوا فينا أشواك الجحود!
يبتسمون لنا بوجوه ودودة، لكن في عيونهم ألف خنجر مسموم، يأخذون عطايانا كأنها حق لهم، ثم يغدرون بنا دون تردد.
أتدري لماذا؟
لأن وجودك القوي يكشف ضعفهم، وعطاءك السخي يفضح بخلهم، ونورك الساطع يكشف ظلمة نفوسهم التي أدمنت العتمة.
فيحاولون تقزيم عطائك، وتشويه معروفك، وكأنهم يقولون: “نعم ساعدتني، لكنني لم أكن بحاجة إليك!”
لكن دعني أخبرك سراً
هؤلاء لا يستحقون حتى دمعة ندم واحدة!
فالمعروف كالسيف، إن وضعته في يد جبان تحول إلى خنجر يطعنك به.
لذا توقف عن منح قلبك لمن لا يملكون سوى حجارة في صدورهم!
لا تهدر كرمك على من يرونه ضعفاً، ولا تغرق في إرضاء من لا يقدر، فبعض الناس كالصحراء، مهما سقيتهم من ماء، لن ينبتوا إلا الشوك!
نعم، سنظل نؤمن بالخير، لكن ليس بالسذاجة. سنظل نمد أيدينا، لكن بحكمة، وسنظل نزرع المعروف، ولكن فقط في التربة التي تستحق بذورنا الثمينة.
وتذكر دائماً
أن المعروف تاجٌ من نور، لا يليق إلا برؤوس تعرف قيمته.
أما من يقابل إحسانك بالنكران، فاتركه في ظلمة جحوده، واصنع معروفك لمن يستحق!
واجعل قلبك كالنهر، يعطي بسخاء، لكن لا تجعله كالمستنقع، يقبل كل من يعكر صفوه. فالعطاء الأجمل هو ما يُقدم لمن يقدر قيمته، لا لمن يدّعي استحقاقه!
كن قوياً في عطائك
أقوى في اختيار من تعطيهم
وأقوى في قرار المضي عندما تكتشف أنك صنعت المعروف في غير أهله!

أضف تعليق