في أروقة المكاتب وقاعات الاجتماعات، تدور حرب صامتة لا تُسمع فيها طلقات ولا تُرى فيها دماء.
إنها حرب النفوذ، ذلك الصراع الخفي الذي يدور في أعماق النفس البشرية قبل أن يظهر على السطح، ويكشف عن جوانب مظلمة في طبيعتنا نحاول جاهدين إخفاءها.
قد يبدأ الأمر بلحظة توتر عابرة، بنظرة تدوم أكثر مما ينبغي، أو بمقعد في قاعة الاجتماعات يُحجز دون تصريح. سرعان ما تتحول التفاصيل الصغيرة إلى إشارات مشفّرة لحرب خفية، حيث تصبح السلطة أكثر من مجرد منصب، بل امتدادًا للأمان الشخصي وللصورة التي يعكسها الفرد عن نفسه. ويبدأ القلق يتسلل إلى النفوس، ليصبح كل إنجاز ساحة لإثبات الذات، وكل خطوة مدروسة بدقة أشبه بحركة في رقعة شطرنج لا مجال فيها للخطأ.
في هذه الساحة، لا أحد يعلن الحرب صراحة، لكن الجميع يقاتل. البعض بأسلحته الخشنة من الهيمنة والسيطرة، والبعض الآخر بأدوات أكثر دقة كالنفوذ الناعم والتلاعب العاطفي. وبين هؤلاء وأولئك، يقف المتفرجون الذين لم يختاروا الدخول في المعركة، لكنهم يجدون أنفسهم رغماً عنهم وسط نيرانها.
فقد دار في خلدي العديد من الاسئلة:
ما الذي يجعل الإنسان مستعدًا لخوض هذه الحرب؟
يستعد الفرد حين يشعر بأن موقعه في العمل أو في المجتمع مهدد. ففي بيئة تزداد فيها المنافسة، يعتقد الفرد أن النفوذ هو السبيل الوحيد لضمان الأمان والاستمرار. هذا السعي المستمر للنفوذ يصبح أحيانًا محركًا أقوى من الطموحات الطبيعية. لا يعود الأمر متعلقًا بالسعي للنمو الشخصي أو الإبداع، بل يتحول إلى صراع للبقاء.
لماذا يتحول الطموح الطبيعي إلى صراع على البقاء؟
الطموح الطبيعي يتحول إلى صراع على البقاء عندما تتداخل الرغبات الشخصية مع متطلبات بيئة العمل القاسية، التي تُشعل المنافسة بين الأفراد. في بيئة تعتمد على المقارنات المستمرة، يصبح النجاح مسألة تتعلق بالتفوق على الآخرين وليس بتقدم الشخصي. في هذه الأجواء، يبدأ الفرد في رؤية المنافسة كتهديد وجودي، مما يحوله من حافز إيجابي إلى مصدر دائم للقلق والصراع الداخلي.
إن التنافسية ليست سلبية أو إيجابية بحد ذاتها، بل تتلون وفقًا لدوافع الفرد وسلوكياته. في بيئات العمل الصحية، تكون التنافسية دافعًا نحو النمو الشخصي، لكن في بيئات يغلب عليها التنافس المفرط، يتحول الطموح إلى معركة مرهقة تُرهق الروح قبل الجسد.
هناك نوع من التنافس يدفعك لأن تكون أفضل نسخة من نفسك. نوع يجعلك تنظر إلى إنجازاتك كمعيار للنجاح، لا إلى إسقاط الآخرين. وفقًا لنظرية Deci و Ryan (2000) عن الدافعية الذاتية، فإن الأشخاص الذين يشعرون بالاستقلالية والكفاءة والانتماء هم الأكثر قدرة على تحويل التنافس إلى دافع إيجابي بدلاً من مصدر للقلق.
في بيئة كهذه:
– تشعر بأن نجاحك لا يأتي على حساب أحد، بل هو جزء من نجاح أكبر.
– يصبح كل تحدٍّ فرصة لاختبار قدراتك، لا معركة لإثبات وجودك.
– يتحول زملاؤك إلى شركاء في النمو، لا خصومًا يجب التفوق عليهم بأي وسيلة.
هذا هو النوع من التنافسية الذي يحفّز الإبداع ويدفع الأشخاص لتطوير مهاراتهم، مما يجعل النجاح شيئًا يمكن أن يتقاسمه الجميع. لكنه ليس النوع الوحيد الموجود.
هناك تنافسية أخرى مُظلمة، أشبه بلعبة صفرية: إما أن تكون في القمة أو أن تسقط. لا مجال للمنتصف، ولا مكان للراحة. في هذه البيئة، يصبح كل إنجاز هشًّا، لأنه قائم على المقارنة المستمرة بالآخرين، وليس على التقدم الشخصي.
هنا، يبدأ الأفراد في تطوير سلوكيات لا واعية لحماية مواقعهم:
– بإخفاء المعرفة والموارد لضمان عدم تقدم الآخرين.
– النفوذ الخفي والتأثير على القرارات بأساليب غير مباشرة.
– بناء التحالفات لا لدعم الفريق، بل لتأمين المصالح الشخصية.
تُظهر بعض الدراسات أن بيئات العمل التي يغلب عليها هذا النوع من التنافسية تزيد من احتمالات الاحتراق النفسي، حيث يعيش الأفراد في توتر دائم، وكأنهم على وشك فقدان كل شيء في أي لحظة.
ولكن في ظل هذه الصراعات، حُب ذاتك!
ليس عليك أن تكون جزءًا من هذه الصراعات حتى تفهمها. معرفة كيف تُصنع القرارات ومن يملك التأثير الحقيقي يساعدك على التحرك بذكاء دون الدخول في مواجهات غير ضرورية. النجاح الذي ينبع منك يستمر حتى في أصعب الظروف.
لا تبني نجاحاتك على إسقاط الآخرين؛ هذا الطريق قد يبدو سهلاً، لكنه الأكثر استنزافًا. النجاح الذي يأتي على حساب غيرك يحتاج إلى مجهود مضاعف للحفاظ عليه. بينما النجاح الذي ينبع منك، يكون أكثر استقرارًا ويستمر مهما كانت الظروف.
ولا تخض كل المعارك؛ فليس كل نظرة مستفزة تستحق الرد، وليس كل منافسة تستحق أن تُستهلك فيها. اختر معاركك بحكمة، وتعلم متى تتجاهل، متى ترد، ومتى تمضي في طريقك.
- يوجد مقالة لي تتحدث عن ” فن اختيار المعارك” يمكن الاستزادة منها.
استذكر معكم إحدى القصص الخيالية الرائعة عن الخنزير والأسد – أعزكم الله، وهي قصة تذكرتها وأنا اكتب حيث تفسر كيفية انتقاء المعارك!
روي أن أسدًا لقي خنزيرًا، فقال له الخنزير: “قاتلني”.
فقال الأسد: “إنما أنت خنزير، ولست لي بكفؤ ولا نظير، وإن فعلت وقتلتك، قيل لي: قتلت خنزيرًا. وما ذاك بفخر لي”.
فقال الخنزير: “إن لم تفعل، رجعت إلى الأسود وأعلمتها أنك جبنت عن قتالي”.
فرد الأسد: “احتمال عار كذبك أيسر علي من تلطيخ شاربي بدمك”.
ضع صحتك النفسية أولًا، فالعمل قد يكون جزءًا كبيرًا من حياتك، لكنه ليس حياتك كلها. التوازن بين الطموح والراحة هو ما يجعلك قادرًا على الاستمرار دون أن تفقد ذاتك. التنافسية ليست عدوًا يجب القضاء عليه، لكنها سيف ذو حدين يتطلب مهارة نفسية للتعامل معه بحكمة. في بيئة العمل، حيث تختلط الطموحات بالمخاوف، يصبح السؤال الحقيقي ليس كيف تحصل على أكبر قدر من النفوذ؟
بل كيف تستخدمه بحكمة دون أن تفقد نفسك في الطريق؟
لأن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأشخاص الذين تخطيتهم، بل بعدد الفرص التي خلقتها لنفسك ولمن حولك.

أضف تعليق