كانت مجرد تغريدة أثارت لدي تساؤلات:
كيف يمكن للحزن أن يكون بوابة للوعي؟
وهل الألم يعزز قدرتنا على رؤية الحقيقة؟
عندما قرأت تِلك التغريدة، تخيلت شعرًا كان يلازمني حفظه في مرحلتي الثانوية، أدب الرثاء الذي عرفت به الخنساء تِلك المرأة التي تقف على حافة الصحراء العربية، تنظر إلى الأفق البعيد وفي قلبها جرح غائر. تلك التي حوّلت صرخة حزنها إلى قصيدة خالدة عبر الزمن.
كيف استطاعت أن تصنع من دموعها نجوماً تضيء سماء الأدب العربي حتى يومنا هذا؟
في لحظة فارقة، عندما فقدت الخنساء أخاها صخراً، لم تكن تعلم أنها على موعد مع تحول جذري سيغير مجرى حياتها والشعر العربي معاً.
كان يمكن أن يكون حزنها نهاية قصتها، لكنه كان – بشكل مذهل – بداية قصة جديدة تماماً.
فحزنها العميق على أخيها صخر، لم يكن مجرد حالة وجدانية عابرة، بل نقطة تحول في حياتها الفكرية والشعرية.
لم يكن صخر زعيمًا قبليًا، لكنه كان نموذجًا للشجاعة والكرم، وحين رحل، شعرت الخنساء بفراغ دفعها لإعادة النظر في معنى الحياة والموت والفقد.
في رثائها، لم تكن مجرد شاعرة تبكي أخاها، بل كانت صوتًا يعبر عن جوهر الفقد وأثره العميق على النفس والعقل:
“تبكي خناسٌ على صخرٍ وحقَّ لها
إذْ رابهَا الدَّهرُ، إنَّ الدَّهرَ ضرَّارُ”
لكن هذا الحزن لم يجعلها تنغلق على ذاتها، بل دفعها إلى تحليل الواقع بعمق، مما جعل شعرها من أعظم المراثي في التاريخ العربي.
هذه القصة تجسد كيف يمكن للحزن أن يكون بوابة للتأمل وإعادة تقييم الأمور، وهو ما تؤكده دراسات حديثة حول علاقة المشاعر السلبية بالحدس المعرفي.
في علم النفس، هناك مفهوم يُعرف بـ “النمو ما بعد الصدمة”، وهو يشير إلى قدرة بعض الأفراد على تجاوز المحن والخروج منها بنظرة أكثر عمقًا ونضجًا للحياة. الخنساء تمثل أحد أبرز الأمثلة على هذا النمو في التراث العربي.
فقدانها لصخر لم يكن مجرد تجربة حزينة، بل كان لحظة فارقة دفعتها إلى إنتاج أعظم ما كُتب في الرثاء. لم يكن حزنها حالة استسلام، بل أعاد تشكيل وعيها وإحساسها بالحياة.
رغمًا عن الألم، لم تتوقف عن الإبداع، بل أصبحت قصائدها مرجعًا للشعراء من بعدها، مما يدل على أن حزنها لم يكن نهاية، بل بداية لمرحلة جديدة من النضج الفكري والوجداني.
لم تكن الخنساء قبل الفقد هي نفسها بعده.
تحولت من شاعرة عادية إلى شاعرة رثاء ذات إحساس مرهف ورؤية فلسفية عميقة للحياة والموت.
بالرغم من أنها عبرت عن حزنها في الشعر، إلا أنها لم تنعزل، بل أصبحت صوتًا شعريًا يعبر عن آلام الآخرين.
بعد فقدانها، لم يكن شعرها مجرد بكاء على صخر، بل أصبح رسالة أدبية خالدة، وجدت فيها عزاءً ومعنى جديدًا للحياة.
الخنساء ليست مجرد شاعرة رثاء، بل مثال على كيف يمكن للألم أن يعيد تشكيل الإنسان، ويجعله أقوى وأكثر وعيًا، وهذا ما يجعلها نموذجًا حيًا للنمو بعد الصدمة.
فالشخص بعد تجربة مؤلمة أو صادمة، قد يمر بتغيير إيجابي في حياته.
في البداية، قد يشعر بالحزن والألم، ولكن مع مرور الوقت، يكتسب الشخص مفهومًا أعمق لحياته وأحيانًا يكتشف جوانب في نفسه لم يكن يعرفها.
عندما يكون الإنسان سعيدًا أو واثقًا بشكل مفرط، يكون أكثر ميلًا للتمسك بمعتقداته، حتى لو كانت خاطئة، لأن الأنا تكون في حالة قوة.
أما في الحزن، فتنخفض هذه المقاومة، ويصبح العقل أكثر تقبلًا للحقائق غير المريحة.
تشير الدراسات إلى أن المشاعر السلبية، بما فيها الحزن، تعزز التفكير التحليلي وتقلل من تأثير العواطف المضللة.
و التغريدة التي أثارت انتباهي كانت تسلط الضوء على الباحث نوربرت شوارتز من جامعة كاليفورنيا
الذي وجد أن الأشخاص الذين هم في حالة مزاجية حزينة اتخذوا قرارات أكثر دقة مقارنة بمن كانوا في مزاج سعيد، حيث كان هؤلاء أكثر اندفاعًا وتمسكًا بمعتقداتهم دون تمحيص.
وهذا ما يثير سؤال هل الألم يقود إلى الوعي؟
يقال: “لا تستنار البصيرة إلا بالحزن.”
لكن هل هذا صحيح تمامًا؟
الحزن قد يكون لحظة تأمل ومراجعة، لكنه ليس شرطًا للاستنارة.
الوعي عملية معقدة تتشكل بتراكم التجارب والتأمل، وليس الحزن وحده ما يقود إليها.
قد يكون الضعف أحيانًا دافعًا للتأمل، لكن إذا لم يُحسن الإنسان التعامل مع الحزن، فقد يغرقه في العزلة واليأس بدلًا من أن يقوده إلى الفهم الأعمق.
ولنا في النموذج النبوي خير مثال.
عندما فقد النبي ﷺ زوجته خديجة – رضي الله عنها- وعمه أبي طالب، كان ذلك العام يُعرف بـ “عام الحزن”، لكنه لم يكن نهاية المسيرة، بل بداية مرحلة جديدة من الصبر والتوكل. واجه الحزن بالتسليم لله، وهذا ما ينبغي لكل محزون أن يفعله، حتى لا يهلكه الألم. قال الله تعالى:
“وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ” (البقرة: 155)
لطالما كان الحزن دافعًا للإبداع، كما رأينا مع الخنساء. والشاعر إبراهيم ناجي عبر عن أثر الحزن العميق بقوله:
“لذعتني دمعةٌ تلفحُ خدّي
نبّهتني من ظلالٍ ليس يُجدي”
وهكذا، قد يكون الحزن محفزًا لإعادة النظر في الحياة، كما قال أبو تمام:
“وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ بِها الفَتى
ذَرعاً وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرَجُ”
بينما يُنظر إلى الحزن كحالة سلبية، فإن التجارب الإنسانية والأبحاث تثبت أنه قد يكون أداة لإعادة تقييم الحياة وتعزيز الحدس المعرفي.
لكنه ليس شرطًا للفهم العميق، بل جزء من رحلة الإنسان.
الطريقة التي نتعامل بها مع الحزن هي التي تحدد ما إذا كان سيؤدي إلى وعي أعمق أو إحباط أكبر.
الجانب الروحي يلعب دورًا مهمًا في التعامل مع الحزن. اللجوء إلى الله بالدعاء، وقراءة القرآن، والتأمل في معانيه، كلها تمنح النفس سكينة. كذلك، الحفاظ على النشاط البدني والعلاقات الاجتماعية الداعمة يساعد على تجاوز المحن.
الحزن قد يكون بداية لتحول إيجابي في حياتنا، كما كان مع الخنساء التي حولت ألمها إلى قصائد خالدة، وكما فعل الكثير من الأدباء والمفكرين. فالأهم ليس الحزن نفسه، بل كيف نتعامل معه.
وكما وعدنا الله:
“فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا” (الشرح: 6).
قصة الخنساء ليست مجرد قصة شاعرة عربية قديمة. إنها برهان حي على أن البشر يمتلكون قدرات خارقة تظهر في أحلك الظروف.
إنها دليل على أن الألم، عندما نحسن التعامل معه، يمكن أن يكون بوابة لعالم من الإبداع والتجلي لم نكن نتخيله.
ربما علينا أن نسأل أنفسنا:
هل نحن ننظر إلى أحزاننا بالطريقة الخاطئة؟
هل يمكن لجراحنا أن تكون نوافذ نرى من خلالها ما لا يراه الآخرون؟
وهل يمكن لدموعنا أن تكون بذوراً لإبداع لم نكن نتخيله؟
“مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ”
فها هي الخنساء، بعد أربعة عشر قرناً، لا تزال تعلمنا أن أعظم إنجازاتنا قد تولد من رحم أعمق جراحنا.

أضف تعليق