التسول الجريمة الظاهرة والداعم الخفي!
في مشهدٍ يتكرر يوميًا، عند إشارات المرور أو أمام الأسواق، تمتد يدٌ صغيرة أو تُطرَق نافذتك بعجلة، فيما يحاول طفل بيع المناديل أو مسح زجاج سيارتك قسرًا. مشهد يوقظ في النفس تعاطفًا فطريًا، لكنه يخفي وراءه منظومة معقدة من الاستغلال والجريمة المنظمة.
السعودية، الدولة التي قامت على قيم التكافل والرحمة، لا تتهاون في محاربة الظواهر التي تستغل هذا النسيج الاجتماعي الأصيل، وتعمل جاهدةً عبر مؤسساتها الرسمية والجمعيات الخيرية المرخصة لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها بعيدًا عن دوائر الاستغلال والاتجار بالبشر.
لم يعد التسول مجرد طلب للمساعدة، بل تحول إلى تجارة سوداء تديرها عصابات تستغل ضعف المحتاجين وحسن نية المتصدقين.
ويكشف الواقع أن بعض المتسولين ليسوا إلا ضحايا لشبكات إجرامية تُجبرهم على التسول، أو حتى أشخاصًا مجهولي الهوية ومتخلفين عن نظام الإقامة وجدوا في التعاطف المجتمعي فرصة للتربح غير المشروع.
ولعل أخطر ما في الظاهرة هو ما يحيط بها من جرائم خفية تشمل استغلال الأطفال عبر إجبارهم على العمل لساعات طويلة في ظروف قاسية.
إخفاء الهوية الحقيقية للمتسولين، حيث قد يكون بعضهم رجالًا متنكرين في هيئة نساء لاستدرار العطف.
التسول المنظم الذي يدرّ أموالًا طائلة تُستخدم في أنشطة غير مشروعة.
التأثير على الأمن الاجتماعي، إذ يُستخدم التسول أحيانًا كغطاء لعمليات سرقة أو تهريب أو حتى استدراج الأطفال والنساء.
تولي حكومة المملكة العربية السعودية، ممثلةً في وزارة الداخلية ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، اهتمامًا بالغًا بمكافحة التسول.
ويتم ذلك عبر حملات أمنية مستمرة لضبط المتسولين غير النظاميين، إلى جانب توفير قنوات رسمية لضمان وصول الدعم إلى المحتاجين الحقيقيين دون استغلال.
نظام مكافحة التسول يعاقب بشدة كل من يمتهن التسول، ويشدد العقوبات على العصابات التي تدير هذه الشبكات الإجرامية، حيث تشمل العقوبات السجن والغرامات المالية، بالإضافة إلى مصادرة الأموال التي جمعها المتسولون بطرق غير مشروعة.
ومن هنا تأتي أهمية دور الجمعيات الخيرية المرخصة ومنصات فرجت وإحسان وشفاء والتي تُعد البديل الآمن لكل من يرغب في التبرع بماله لمستحقيه.
إن دعم هذه الجمعيات هو الحل الأمثل لضمان مساعدة الفقراء دون أن يكون ذلك وقودًا لعصابات الاتجار بالبشر أو الجرائم المنظمة.
المملكة العربية السعودية، التي تحتضن الحرمين الشريفين وتجذب ملايين الزوار سنويًا، تسعى دائمًا للحفاظ على صورتها الحقيقية والحضارية التي تعكس تطورها وأمنها.
ومع ذلك، فإن انتشار المتسولين في الأماكن السياحية والمقدسات الدينية قد يؤثر سلبًا على تجربة الزوار، مما يجعل مكافحة هذه الظاهرة ضرورة أمنية وسياحية، وليس مجرد خيار اجتماعي.
قد يعتقد البعض أن التبليغ عن المتسولين تصرفٌ قاسٍ، لكنه في الواقع تصرفٌ مسؤول، يساهم في إنقاذ أطفال ونساء من شبكات الاستغلال، ويمنع استمرار هذه التجارة غير المشروعة.
ولذلك، فإن الجهات المختصة تشجع الجميع على الإبلاغ عن حالات التسول عبر الرقم 911، حيث يمكن أن يكون هذا البلاغ بدايةً لإنقاذ شخصٍ يعيش في ظروف قسرية لا يعلم عنها أحد.
لم يعد السؤال “هل نساعد أم لا؟”
بل أصبح “كيف نساعد بشكل صحيح؟”.
الرحمة الحقيقية ليست في إعطاء المال في الشارع، بل في توجيهه إلى الجهات الرسمية التي تضمن وصوله لمستحقيه دون أن يكون وسيلة لاستمرار الجريمة.
حكومتنا الرشيدة تواصل جهودها لضمان بيئة آمنة وخالية من الظواهر السلبية، ويبقى دور المواطن محوريًا في دعم هذه الجهود عبر الوعي، والتعاون، والتبليغ عن أي حالات استغلال يشهدها.
فالقرار بين يديك:
هل ستكون جزءًا من الحل؟
أم ستساهم دون قصدٍ في استمرار دائرة الاستغلال وتصبح داعم خفي للجريمة؟

أضف تعليق