في لحظات من حياتنا يصبح القلق أشبه بظل لا يفارقنا يمشي معنا في أروقة الجامعة، يجلس بجانبنا في مكتب العمل، ويرافقنا حتى في لحظات نجاحنا. إنه ذلك الصوت الخافت الذي يهمس دائماً:
“هل هذا كافٍ؟ هل يمكن أن يكون أفضل؟ “
أنا أعرف هذا الشعور جيدًا. منذ أيام الجامعة، حين كنت أسعى وراء التفوق، كان القلق يلازمني في كل اختبار، في كل ورقة بحثية، وفي كل لحظة أقارن فيها إنجازي بأحلامي.
لم يكن مجرد شعور عابر، بل صار جزءًا من رحلتي ودافعي نحو الأفضل، لكنه أيضًا ظلٌّ ثقيل يمنعني أحيانًا من الاستمتاع بما حققته.
واليوم، في مسيرتي المهنية، لم يختفِ القلق، بل أخذ شكلًا جديدًا؛ القلق من الأداء، من التفاصيل، من البحث عن الكمال في كل مهمة أقوم بها. أعيش في دوامة من التفكير المستمر: هل قدمت أفضل ما لدي؟ هل كان بإمكاني فعل المزيد؟
حتى قرأت في تقويم أم القرى يوم الخميس الماضي
“تذكر أن اليوم هو الغد الذي كنت قلقًا عليه بالأمس.”
شعرت وكأن هذه العبارة تخاطبني مباشرة. كم مرة أرهقت نفسي بالتفكير في الغد، ثم حين جاء، وجدت أنني كنت قادرة على التعامل معه؟
وكم مرة نظرت إلى الماضي وابتسمت، متسائلة لماذا كنت خائفة إلى هذا الحد؟
عندما نتأمل في رحلتنا مع القلق، نرى نمطاً مثيراً للاهتمام
كيف يتحول القلق من محفز للتفوق الأكاديمي إلى رفيق دائم في المسيرة المهنية؟
هذا التحول يكشف عن حقيقة نفسية عميقة
أن القلق ليس مجرد استجابة للظروف الخارجية، بل هو انعكاس لعلاقتنا مع ذواتنا، مع تطلعاتنا، ومع فكرتنا عن النجاح والإنجاز.
لكن هنا تكمن المفارقة: رغم أن القلق مرهق، إلا أنه ليس دائمًا عدوًا ففي عام 1908، اكتشف العالمان يركيس ودودسون علاقة مثيرة بين القلق والأداء. وجدا أن القليل من القلق يساعدنا على التركيز وتحقيق نتائج أفضل، لكن عندما يتجاوز حدوده، يتحول إلى توتر يعوقنا.
العديد من الشخصيات الناجحة تتحدث عن علاقتها بالقلق. فكلهم عانوا من لحظات شك وخوف من الفشل.
لكن هناك وجه آخر للقصة. القلق المزمن قد يتحول إلى احتراق نفسي وهو حالة من الإنهاك العاطفي والجسدي والعقلي بسبب الضغوط المستمرة.
في قلب هذا القلق يكمن سعي حثيث نحو الكمال. لكن ما هو الكمال إلا سراب يتراقص أمامنا؟
كلما اقتربنا منه، ابتعد خطوة أخرى.
هذا السعي، رغم نبله، يمكن أن يتحول إلى سجن نفسي يحرمنا من الاحتفاء بإنجازاتنا الحقيقية.
هل نحن نعمل لنكون أفضل أم لنكون بلا عيوب؟
وهل السعي الدائم نحو الأفضل يجب أن يكون مقرونًا بالخوف والقلق؟
قد يكون القلق، في جوهره، تعبيراً عن وعي عميق بالحياة وتعقيداتها. إنه يعكس قدرتنا على تخيل المستقبل وتصور الاحتمالات – وهي نعمة ونقمة في آن واحد- . فكما يدفعنا للتخطيط والإعداد، يمكن أن يشل حركتنا بثقل توقعاته.
وهنا تكمن المفارقة
القلق الذي نشعر به بسبب المجهول هو ذاته الذي يمكن أن يكون دليلنا إلى النمو إن تعاملنا معه بوعي.
التحرر من القلق لا يعني القضاء عليه تماماً، بل إعادة تشكيل علاقتنا معه. إنه ليس عدواً، لكنه أيضاً ليس سيدًا يجب أن يخضع له كل تفكيرنا.
لكي لا يتحول القلق إلى سجن يمنعنا من عيش الحياة، علينا أن نضعه في حجمه الطبيعي، ونفهم أنه جزء من التجربة الإنسانية لا يجب أن يستهلك كل طاقتنا.
فأنا مستمرة، في محاولاتي لتخطي القلق عبر التركيز على الحاضر وتذكير نفسي بأن الحياة ليست في الماضي الذي ذهب، ولا المستقبل الذي لم يأتِ بعد.
محاولات اقناع ذاتي بأن الكمال – لله وحده – ولا وجود له في واقعنا فكل الاشياء في الدنيا ناقصة وما يمكننا تحقيقه هو التحسن التدريجي فقط، تذكيري بكل العقبات التي تخطيتها بأنني دائمًا أقوى مما ظننت فكل ما كنت اخشى مواجهته في الماضي، مررت به وخرجت منه أكثر نضجًا. ليس علي أن أحل كل شيء في لحظة، أحيانًا يكفي أن أتراجع خطوة للخلف وأنظر إلى الصورة من زاوية أوسع.
الحقيقة التي تلوح في الأفق هي أن القلق قد يكون صوتاً يدعونا للتأمل في علاقتنا مع الزمن – ماضينا الذي شكلنا، وحاضرنا الذي نعيشه، ومستقبلنا الذي نتخيله.

أضف تعليق