رمضان ليس مجرد شهر في التقويم، بل هو حالة شعورية تتسلل إلى القلب، تبعث فيه الفرح والسكينة. لحظة الإعلان عن قدومه تحمل وقعًا خاصًا، محفورًا في الذاكرة.
نجتمع كل عام أمام الشاشة، نترقب بشوق، ونستمع إلى مذيع القناة السعودية الأولى بصوته المليء بالوقار وهو يزف البشرى: “بيان من الديوان الملكي جاءنا من المحكمة العليا ما يلي:…
فقد ثبت بشهادة عدد من الشهود العدول رؤية هلال شهر رمضان المبارك، ولما ثبت عن النبي صل الله عليه وسلم انه قال صوموا لرؤيته وافطروا لرأيته متفق عليه، فإن دائرة الأهلة في المحكمة العليا تقرر أن غدًا هو غرة شهر رمضان المبارك لهذا العام ……..”
مع غروب شمس التاسع والعشرين من شعبان، يتحول الجو إلى ترقب وانتظار. ما إن يُعلن دخول رمضان، حتى تنتشر التهاني سريعًا بين العائلة والأصدقاء، وتبدأ الاتصالات والرسائل تعبر عن الفرحة.
أمسك هاتفي، أتصل بجدي وجدتي، أستمع إلى دعواتهما التي تملأ قلبي طمأنينة، وأشعر أن رمضان بدأ بالفعل من خلال كلماتهما الطيبة.
بعدها، أرافق والدي إلى منزل جدتي، نستمع لصوتها المليء بالفرح، ونجلس معها نستعيد الذكريات ونستمتع بأحاديث رمضان الدافئة.
التهاني في رمضان ليست مجرد كلمات، بل تواصل يحمل محبة صادقة.
الهاتف لا يهدأ من الرسائل، والأبواب تظل مفتوحة لاستقبال الأحبة، فالزيارات الأولى لكبار العائلة تبقى تقليدًا أصيلًا لا يُستبدل.
لكن مع مرور الأعوام، تتغير ملامح رمضان.
يخفت صوت بعض التهاني التي كانت تملأ القلب سعادة، لم يعد الهاتف يرن بصوت جدي وجدتي – رحمهما الله – ولم أعد أرافق والدي إلى منزل جدتي – رحمها الله.
صارت أول ليلة من رمضان تحمل فرحًا ممزوجًا بالحنين. ورغم ذلك، يبقى الدعاء هو الجسر الذي يصلني بهم، أستشعر وجودهم في دعوات الإفطار، في العادات الرمضانية التي تعلمتها منهم، في الذكريات التي تعيش معي بكل تفاصيلها.
رمضان ليس فقط اختبارًا للجسد، بل هو اختبار للنفس والصبر والتحكم في المشاعر
لكل صائم تجربته الخاصة؛ المدخنون يواجهون تحديًا مع كسر عاداتهم اليومية، ومرضى السكري والضغط يحتاجون إلى توازن دقيق للحفاظ على صحتهم بعضهم يعاني من الإرهاق، وآخرون يمرون بالشهر الكريم بهدوء وسكينة.
وفي بيئة العمل، يظهر تأثير الصيام بوضوح، فالبعض يتأقلم سريعًا، بينما يعاني آخرون من التوتر أو قلة التركيز بسبب تغير العادات اليومية. هنا يأتي دورنا في التعامل برفق وتقدير ظروف الآخرين، فليس الجميع يعيش رمضان بالطريقة ذاتها.
ورغم هذه التحديات، يبقى رمضان فرصة للارتقاء الروحي.
ليس بالامتناع عن الطعام والشراب هو جوهره، بل تهذيب النفس، تعديل الأولويات، والاقتراب من الله. التلاوة، الدعاء، والذكر تصبح أدوات تعين الصائمين على الحفاظ على روحانية الشهر الكريم.
في ظل هذه الأجواء، من المهم أن نتحلى بالصبر والتسامح، فليس كل من يمر بيوم عصيب يعبر عن ذلك بالكلمات. الشخص العصبي في الطريق، أو الزميل المتوتر في العمل، قد يواجه مشقة الصيام بطريقته الخاصة. الكلمة الطيبة واللطف في التعامل يعكسان جوهر رمضان الحقيقي.
رغم مرور الأعوام واختلاف الظروف، يبقى رمضان شهرًا يجمع الناس ويعيد ترتيب الأولويات
قد نفتقد أشخاصًا اعتدنا أن نبدأ معهم الشهر، وقد نواجه تحديات صحية أو نفسية، لكن رمضان يظل فرصة للتقارب، للرحمة، ولإحياء الحب في قلوبنا.
التهاني والمباركات قد تكون عبر الهاتف أو الرسائل النصية، لكن المعنى الحقيقي لرمضان يظل مرتبطًا بالمشاعر الصادقة، وبالرحمة التي نمنحها لمن حولنا، خاصة لمن يواجهون تحديات في هذا الشهر المبارك. يظل رمضان رحلة روحية تتجدد كل عام، نحمل فيها الامتنان لمن كانوا، والدعاء لمن رحلوا، والاستعداد لصنع ذكريات جديدة مع من لا يزالون معنا.

أضف تعليق