في الماضي، لم تكن تربية الطفل مسؤولية الأم والأب فقط، بل كانت الأسرة الممتدة تلعب دورًا كبيرًا في التوجيه والتنشئة، كان الجد والجدة، الأعمام والخالات، يساهمون في زرع القيم والمبادئ من خلال تدخلاتهم اليومية في حياة الطفل، مما خلق بيئة اجتماعية أكثر انضباطًا واستقرارًا.
أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة تمامًا ، لم يعد الأهل وحدهم من يربّون، بل أصبح للإعلام، مواقع التواصل الاجتماعي، والمشاهير (المؤثرين) تأثيرٌ قوي على تشكيل فكر الأطفال والمراهقين.
حتى الأسر التي تحاول الحفاظ على أبنائها من هذا التأثير تواجه تحديات أخرى، مثل تأثير الأقران في المدرسة، حيث يتأثر الطفل بسلوك زملائه أكثر مما يتأثر بتوجيهات والديه.
في ظل هذا الواقع الجديد، لم يعد من الممكن التمسك بأساليب التربية التقليدية كما هي، كما أن تجاهل التغيرات أو مقاومة التكنولوجيا لن يكون الحل الأمثل. إذن، كيف يمكن للأهل استعادة دورهم في تربية أبنائهم دون أن يكونوا في صراع دائم مع العالم الرقمي؟
وهذا ما يثير تساؤل للاباء والأمهات الحديثين كيف كانت التربية في الماضي؟
كانت التربية قديمًا تعتمد على التوجيه الجماعي. عندما يرتكب الطفل خطأً، لا يقتصر التوجيه على والديه فقط، بل قد يتلقى نصيحة من جدته، أو حتى توبيخًا من عمه أو خاله. كانت الأسرة والمجتمع بأكمله يشعرون بالمسؤولية تجاه تربية الطفل، مما خلق نوعًا من الرقابة المجتمعية التي حدّت من التأثيرات السلبية الخارجية.
كما أن البيئة نفسها كانت أكثر استقرارًا؛ لم يكن هناك هذا الكم الهائل من المعلومات المتدفقة عبر الإنترنت، ولم يكن الطفل يتعرض يوميًا لآراء متناقضة قد تؤثر على قيمه وسلوكياته فقد كان المصدر الأساسي للتعلم هو العائلة والمدرسة، وكانت القيم تُنقل بشكل متسلسل ومتسق، مما خلق نوعًا من التوازن في شخصية الطفل.
أما في وقتنا الحاضر ومع التطور السريع في التكنولوجيا والانفتاح الإعلامي، تغيرت أساليب التربية وأصبحت التحديات أكبر من أي وقت مضى.
فلم يعد الطفل يتلقى القيم فقط من أسرته، بل أصبح يتعلم من اليوتيوب، تيك توك، إنستغرام، والمؤثرين الذين يتابعهم. حتى وإن حاول الأهل الحد من استخدام أبنائهم لهذه المنصات، فإنهم سيتأثرون بها بشكل غير مباشر من خلال أصدقائهم في المدرسة.
حتى لو حاولت الأسرة غرس قيم معينة في طفلها، فإنها قد تصطدم بتأثير الأصدقاء في المدرسة.
فقد يعود الطفل إلى المنزل بسلوكيات أو أفكار جديدة لم يسمعها من قبل، ويصبح من الصعب على الأهل التحكم فيما يتلقاه خارج إطار الأسرة.
في الماضي، كان الطفل يستمع إلى والديه لأنهما المصدر الأساسي للمعلومة.
أما اليوم، فقد أصبح يرى المؤثرين على مواقع التواصل كمصدر أكثر “واقعية” و”إقناعًا”.
عندما يخبره والداه بشيء، لكنه يرى المؤثرين يقولون العكس، فإنه غالبًا ما يميل إلى تصديق المؤثر، خاصة إذا كان محبوبًا وله ملايين المتابعين.
ومن أبرز المشكلات الشائعة اليوم، غياب التنسيق بين الأب والأم في التربية.
فقد تتبنى الأم أسلوبًا معينًا، بينما يعتمد الأب أسلوبًا مختلفًا، مما يخلق ارتباكًا لدى الأبناء. عندما يكون هناك تناقض في القرارات التربوية، فإن الطفل يصبح غير قادر على التمييز بين الصواب والخطأ، وقد يستغل هذا التناقض لصالحه.
فهذا يثير تساؤلاً آخر ما هو الحل؟
كيف يمكن للأهل استعادة دورهم في التربية؟
في ظل هذا الواقع الجديد، لا يمكن العودة إلى التربية التقليدية بحذافيرها، لكن يمكن تحقيق توازن يساعد الأهل على التأثير في أبنائهم رغم وجود هذه العوامل الخارجية.
لم يعد من الممكن فرض القيم على الأبناء بنفس الطريقة التي كانت تُستخدم في الماضي. بدلاً من ذلك، يجب أن يكون هناك حوار وتفاهم. الطفل اليوم لديه مصادر متعددة للمعلومة، وإذا لم يقتنع بما يقوله أهله، فإنه سيبحث عن إجابات في مكان آخر. لذلك، من المهم أن يكون النقاش مفتوحًا ومرنًا، بحيث يشعر الطفل أن والديه يفهمانه، وليس فقط يفرضان عليه الأوامر.
لا يمكن للأهل منع أبنائهم من استخدام الإنترنت أو متابعة المؤثرين، لكن يمكنهم أن يكونوا جزءًا من هذه التجربة. يمكنهم مثلاً متابعة ما يشاهده أبناؤهم، ومناقشتهم حوله بطريقة ذكية، بدلاً من الرفض المطلق.
وهُنا يبرز دور تعزيز التفكير النقدي لدى الأطفال
بدلاً من عزل الطفل عن المحتوى الرقمي، من الأفضل تعليمه كيفية التفكير النقدي، بحيث يكون قادرًا على تقييم المعلومات بنفسه. يمكن سؤاله مثلاً:
• “لماذا تعتقد أن هذا المؤثر يقول هذا الكلام؟ هل تعتقد أنه صحيح؟ لماذا؟”
• “هل كل ما نراه على الإنترنت حقيقي؟ كيف يمكننا معرفة ذلك؟”
عندما يصبح الطفل قادرًا على تحليل المعلومات بنفسه، فإنه لن يكون ضحية سهلة للتأثيرات السلبية.
بالإضافة إلى ذلك فإن كانت الحياة الواقعية مملة لدى الطفل، فإنه سيهرب إلى العالم الرقمي.
لذلك، من المهم أن تكون هناك أنشطة ممتعة داخل الأسرة، مثل الرحلات، الرياضة، أو حتى مشاريع منزلية تجعل الطفل يشعر بالانتماء إلى أسرته.
وهذا ما يسلط الضوء على تأثير الأهل والذي يجب أن يكون قويًا منذ الطفولة
الكثير من المشكلات تظهر عندما يكبر الطفل دون أن يكون هناك أساس قوي للعلاقة بينه وبين والديه. إذا نشأ الطفل في بيئة يشعر فيها بأن والديه متفهمان ويدعمانه، فإنه سيكون أكثر استعدادًا للاستماع إليهما حتى عندما يكبر ويتعرض لمؤثرات خارجية.
ويجب أن يفهم الاباء والأمهات بأنه لم تعد مسؤولية التربية تقع على عاتق الأم وحدها، بل أصبح من الضروري أن يشارك الأب بفاعلية في تنشئة الأبناء. عندما يكون هناك اتفاق بين الأبوين حول القواعد والقيم التربوية، فإن الطفل ينشأ في بيئة أكثر استقرارًا، مما يقلل من التأثيرات الخارجية السلبية.
لم تعد التربية كما كانت في الماضي، ولم يعد الأهل هم المصدر الوحيد للتأثير على الأبناء.
اليوم، يتشارك المؤثرون، الإعلام، والأقران في تشكيل فكر الطفل وسلوكه، مما يجعل التربية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
لكن هذا لا يعني أن الأهل فقدوا دورهم تمامًا.
الحل ليس في المنع أو التقييد المبالغ فيه، بل في التواصل، الفهم، وتعليم الأبناء كيف يفكرون بأنفسهم. عندما يصبح الطفل قادرًا على التمييز بين الصواب والخطأ بنفسه، فإنه سيكون أكثر قدرة على مقاومة التأثيرات السلبية، حتى لو كانت تحيط به من كل جانب.
التربية الحديثة ليست صراعًا بين الأهل والتكنولوجيا، بل هي فن التكيف مع العصر دون فقدان القيم الأساسية.

أضف تعليق