في أحد صباحات يوم السبت، جلس محمد يحتسي قهوته، ممسكًا بهاتفه كعادته.
لم يكن هناك نية حقيقية لشراء شيء جديد، لكنه وجد نفسه يتصفح موقعًا يعرض عروضًا مغرية على ساعات ذكية.
مرر الشاشة، ضغط على الإعلان، قرأ التقييمات، ثم اشترى واحدة دون أن يشعر بلحظة اتخاذ القرار. بعد دقائق، وهو يحدق في رسالة التأكيد، تساءل: “هل كنت بحاجة لهذه الساعة؟ أم أن هناك من زرع الفكرة في رأسي قبل أن أدرك ذلك؟”
لم يكن قرار محمد عشوائيًا، بل كان نتيجة عمليات نفسية معقدة تلعب فيها العوامل اللاواعية دورًا أساسيًا، مستندة إلى مبادئ علم النفس السلوكي، والتلاعب بالإدراك، واستراتيجيات التأثير غير المباشر. لكنه ليس مجرد شخص واحد، بل هو انعكاس لشريحة واسعة من المجتمع.
فهو يمثل الكثير من الأشخاص الذين يمرون بنفس التجربة يوميًا، مقتنعين بأن قراراتهم الشرائية نابعة من إرادتهم الشخصية، بينما هي في الواقع نتيجة لتأثيرات نفسية وتسويقية خفية. الكثير مثل محمد يظنون أنهم اختاروا بحرية، لكن الحقيقة أن خياراتهم قد تم توجيهها بعناية قبل أن يدركوا ذلك.
في منتصف القرن العشرين، بدأ علماء النفس مثل بي إف سكينر ودانيال كانيمان في كشف كيف يمكن تشكيل السلوك البشري دون وعي الشخص. نظرياتهم أصبحت اليوم الأساس الذي تقوم عليه الشركات والمنصات الرقمية في التأثير على اختياراتنا. يتم ذلك من خلال التكييف السلوكي، فاستجابتنا ليست عشوائية، بل يتم تعزيزها بالمكافآت حتى تصبح تلقائية. اليوم، تعمل وسائل التواصل الاجتماعي بنفس الآلية: كل مرة يتلقى فيها المستخدم إشعارًا، يفرز عقله الدوبامين، مما يعزز رغبته في العودة للمنصة. عند مشاهدة إعلان متكرر، يرتبط المنتج بعواطف إيجابية، مما يجعله يبدو الخيار “الطبيعي” عند الحاجة لشراء شيء مشابه.
محمد لم يكن يبحث عن ساعة ذكية، لكن تكرار ظهورها أمامه، مقرونًا بتقييمات إيجابية ورسائل تسويقية ذكية، جعله يشعر بأنها “خيار منطقي”. لكن عقل الإنسان لا يتخذ القرارات بشكل منطقي دائمًا، بل يتأثر بالطريقة التي تُعرض بها الخيارات. يعرف هذا في علم النفس بتأثير الإطار، وهو مفهوم أبرزه دانيال كانيمان في كتابه التفكير، بسرعة وببطء
. إذا قيل لشخص إن فرصة نجاح عملية جراحية هي 90%، فمن المرجح أن يوافق عليها.
لكن إذا قيل له إن نسبة الفشل 10%، قد يتردد، رغم أن النسبة نفسها.
في حالة محمد، لم يُعرض عليه المنتج كـ”مجرد ساعة”، بل كأداة لتحسين الإنتاجية، تتبع صحته، وتساعده على تحقيق أهدافه الرياضية. لم يشترِ ساعة، بل اشترى “أسلوب حياة” تم التلاعب بتقديمه له بعناية.
لم يكن محمد وحيدًا في هذا، فالكثير من الناس يقعون تحت تأثير ما يسمى “تأثير العربة”، حيث يميل الأفراد إلى تبني سلوكيات ومعتقدات شائعة لأنهم يظنون أنها الصواب. عندما يرى الشخص آلاف التقييمات الإيجابية لمنتج معين، لا يتساءل إن كان هؤلاء الأشخاص يشبهونه فعلًا، أو إن كانت احتياجاتهم مماثلة لاحتياجاته. وعندما يشاهد إعلانًا يحتوي على شخصيات ناجحة ترتدي الساعة، يشعر أن شراءها قد يجعله أكثر إنتاجية، حتى لو لم تكن هناك علاقة حقيقية بين المنتج والنجاح.
لكن بعد دقائق من الشراء، بدأ محمد يشعر بشيء مألوف: ندم المستهلك. ذلك الشعور الذي يحدث عندما يدرك الإنسان أنه اشترى شيئًا ليس بدافع الحاجة الحقيقية، بل نتيجة لتأثيرات نفسية لم يكن واعيًا بها. وهنا يبرز السؤال: هل يمكننا التحرر من هذه الدائرة؟
أحد أقوى الأسلحة ضد التلاعب هو فهم كيف تعمل عقولنا. عند إدراك أن منصات التسويق والتواصل الاجتماعي تستغل نقاط ضعفنا النفسية، يصبح من الأسهل التشكيك في القرارات قبل اتخاذها. في علم النفس، هناك مفهوم يسمى “التفكير البارد مقابل التفكير الساخن”، حيث يميل الأشخاص الذين يمنحون أنفسهم وقتًا قبل اتخاذ قرار الشراء إلى أن يكونوا أقل عرضة للندم لاحقًا.
عندما استلم محمد ساعته الذكية بعد يومين، أدرك أن السؤال لم يكن “هل أحتاجها؟” بل “لماذا شعرت أنني أحتاجها؟”. في عالم تتحكم فيه الخوارزميات والإعلانات في وعينا، ربما الحرية الحقيقية لا تكمن في القدرة على الاختيار، بل في فهم من الذي يضع أمامنا الخيارات منذ البداية. نحن نعتقد أننا نختار، لكن الحقيقة قد تكون أكثر تعقيدًا: ربما نحن فقط نسير في طريق تم تصميمه لنا بحرفية، معتقدين طوال الوقت أننا أحرار.

أضف تعليق