في عالمٍ يضجُّ بالكلمات والمواقف، لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى الردّ على كل ما يُقال أو التفاعل مع كل من يحاول استفزازه. فبعض الأشخاص والمواقف لا يستحقون حتى عناء الرد، ليس ضعفًا أو عجزًا، بل لأن التجاهل في هذه الحالة هو قمة الرفعة والنضج. لكن متى يكون الصمت تعاليًا محمودًا، ومتى يصبح هروبًا غير مبرر؟
في علم النفس، يُعتبر التجاهل الواعي استراتيجية ذكية للحفاظ على السلام الداخلي، خاصة عند التعامل مع الأشخاص الذين يتغذون على ردود الفعل، مثل المستفزين، والمسيئين، وأصحاب النوايا السلبية. فهناك من يستمدون قوتهم من إزعاج الآخرين أو إدخالهم في دوائر لا تنتهي من الجدل، وهؤلاء يكون أفضل ردٍّ عليهم هو اللا رد.
من هم الأشخاص الذين يجب أن تترفع عن الرد عليهم:
الذين يهدفون فقط إلى إيقاعك في فخ الاستفزاز وإثارة غضبك. الرد عليهم يمنحهم ما يريدون، أما التجاهل فيسلبهم متعتهم.
الذين لا يتقبلون الحوار البناء ويصرّون على التشبث بآرائهم بغض النظر عن الحقائق. المناقشة معهم مضيعة للوقت والطاقة.
المتصيدون (الذين يهدفون لإثارة الجدل وجذب الانتباه السلبي. أفضل طريقة لإيقافهم هي عدم منحهم الوقود الذي يشعل نيرانهم.
الذين لا ينتقدونك لتحسينك، بل لإحباطك أو تشويه صورتك. الرد عليهم يمنحهم قيمة لا يستحقونها.
الذين لا يرون إلا الجانب السيئ في كل شيء، ويجعلون من حولهم يشعرون بالإحباط. من الأفضل تجنب الانخراط معهم للحفاظ على صفاء الذهن.
ليس كل تجاهل تكبرًا، وليس كل رد انتصارًا. التجاهل الواعي ينبع من إدراك أن بعض الحوارات لا تستحق الخوض فيها، وبعض الأشخاص لا يستحقون مشاركة أفكارك معهم. لكن يجب الحذر من أن يتحول التجاهل إلى غطرسة أو جفاء في العلاقات المهمة، فالحكمة تكمن في معرفة متى يجب الرد ومتى يكون الصمت هو الخيار الأمثل.
كيف يمكن أن يكون التجاهل رفعةً لا هروبًا؟
• أن يكون بدافع الحكمة، وليس بدافع العجز أو الخوف.
• أن يُستخدم للحفاظ على الكرامة والسلام الداخلي، وليس لإهانة الآخرين.
• أن يكون وسيلة لحماية النفس من الطاقة السلبية، وليس أداة لتجاهل المسؤولية أو المشاعر الحقيقية.
الصمت والتجاهل ليسا دائمًا علامة ضعف، بل قد يكونان أحيانًا قمة القوة والرفعة.
فليست كل معركة تستحق القتال، وليس كل شخص يستحق الرد. الصمت المدروس والتجاهل الواعي هما فن يجب إتقانهما للحفاظ على راحة البال والمضي قدمًا دون الانشغال بما لا يستحق وبذلك نستذكر مقولة جدي ناصر – رحمه الله وغفر له- والتي يحرص دائمًا والدي على تذكرينا بها “الصمت حكمة قليلٍ فاعلة”.

أضف تعليق