المُخلص لا يتقاعد، بل يُورّث إخلاصه

منذ نعومة أظافرنا، لم يكن والدي مجرد ربّ أسرة، بل كان قدوة تمشي على الأرض. لم يكن الإخلاص في قاموسه مجرد كلمة، بل سلوكًا يوميًا، وغرسًا عميقًا فينا جميعًا. كان يؤمن أن العمل، مهما بدا بسيطًا، لا يُقاس بظاهره، بل بنيّته وعمقه، وأن الإنسان مسؤول أمام الله عن كل ما يصنعه بيده أو ينطق به لسانه.

حرص والدي، حفظه الله، على أن نعتني بجودة أعمالنا. كان يُردد دائمًا أن الإنسان حين يعمل، فهو لا يعمل أمام الناس، بل أمام الله، وأن أعين الناس قد تغفل، لكن عين الله لا تنام. منذ الصغر، غرس فينا أن كل عمل نقوم به نحن مسؤولون عنه أمام الله، وأن النية أساس القبول.

زرع في قلوبنا شعورًا عميقًا بالمسؤولية، علمنا أن العمل لا يُجزأ؛ فسواء كان في شؤون الحياة اليومية أو في العبادة، لا بد أن يكون خالصًا لله. وكان يؤكد أن الإنسان سيُسأل عن كل صغيرة وكبيرة، وأن مراقبة الله يجب أن ترافقنا في كل لحظة.

والدي اشتهر في محيط عمله بإخلاصه واهتمامه بأدق التفاصيل. بدأ مسيرته المهنية في المجال العسكري، ضابطًا يحمل معه قيم الانضباط والالتزام. تنقّل في مناصب إدارية وقيادية، جامعًا بين حزم العسكري وحكمة القائد الإداري. لم يكن يومًا ممن يكتفون بأداء الواجب، بل كان دائمًا مثالًا في الجدية، والإتقان، والتفاني. كسب احترام من حوله بخلقه، وترك أثرًا لا يُنسى بأمانته.

لكن الأجمل، أنه بعد تقاعده عن العمل الرسمي، لم يتقاعد عن دوره الحقيقي. ظل كما عهدناه، يُرشد ويُوجه، لا يبخل علينا بتجربته الغنية. كان حاضرًا معنا في كل منعطف، يُعلّمنا كيف نواجه التحديات، ونزن قراراتنا، ونحافظ على مبادئنا مهما تغيرت الظروف.

علّمنا أن النجاح لا يُقاس فقط بحجم الجهد، بل بتوفيق الله. كان يقول دائمًا: “العمل مطلوب، لكنه ليس كافيًا، فالفتح من الله وحده”. كان يؤمن إيمانًا عميقًا بأن النتائج لا تعكس فقط ما فعلناه، بل ما أذن الله بحدوثه. أدخل إلى قلوبنا يقينًا عجيبًا أن الله قد يفتح أبوابًا استعصت رغم كل المحاولات، وأن بركة النية الخالصة قد تُغيّر مسارًا كاملًا.

كان يؤكد: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى”، يحثّنا على إخلاص النية، ويُشجعنا أن نُخلص لله في أعمالنا، مؤمنًا أن الله سيبارك في كل جهد صادق. كنا نشعر بطمأنينة عظيمة حين نسمع كلماته، وكأنها تُعيد ترتيب الفوضى في داخلنا، وتربط قلوبنا بمعنى أعمق للسعي والنجاح.

مرت السنوات، وها نحن اليوم نعيش ما علمنا إياه. رأينا كيف أن الأبواب تُفتح من حيث لا نحتسب، وأن أحيانًا جهدًا بسيطًا يثمر نتيجة عظيمة بفضل من الله. تعلمنا أن الحياة توازن دقيق بين بذل الأسباب والتوكل الحقيقي، وأن الجهد لا بد أن يتوّج بإذن الله، وإلا بقي ناقصًا.

علمنا والدنا الاجتهاد دون غرور، والسعي دون قلق، والاعتماد على الله قبل كل شيء وبعده. وكان دائمًا يُذكرنا: “الله هو الفتاح، وهو من بيده مفاتيح الغيب وفتح الأبواب المغلقة”.

اليوم، ندرك أننا نسخ صغيرة من ذايب، في سلوكنا، في اجتهادنا، وفي أخلاقنا. 

كل واحد منا يعكس جزءًا من شخصيته في حياته اليومية، ويُسهم في نشر التجربة التي ورثناها عنه. نحن امتداد لتلك القيم التي زرعها فينا، سواء في العمل أو في العلاقات أو في التفاعل مع العالم من حولنا

لذلك… المُخلص لا يتقاعد.

المُخلص يورّث قيمه، وينشر تجربته، ويظل تأثيره حيًّا في من حوله.

وها نحن اليوم، نحمل رايته، ونواصل السير على خطاه، بكل امتنان وفخر.

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑