الكرسي الذي لا يهتز كيف تقتل عقلية الديناصور طموح الموظف؟

في زمن يتحرك فيه العالم كأنه يركض، تظل هناك عقلية تقف في مكانها لا تتزحزح.

ما يُعرف في أدبيات الإدارة الحديثة بـ”عقلية الديناصور” ليس مجرد أسلوب متحفظ، بل نمط متكلس، يُدير بعقلية الأمس، ويقاوم كل ما له علاقة بالغد.

هي ذهنية تقوم على السلطة لا على القيادة، وعلى الحفاظ لا على التطوير، وعلى الخوف لا على الثقة.

في زاوية المكتب، يجلس كأن الكرسي فُصّل له وحده. لا تهمه التحولات في السوق، ولا يعبأ بثقافة العمل الجديدة.

يرى الاجتهاد تهديدًا، والمبادرة تمردًا، والفكر المختلف تقليلًا من مكانته.

إذا رأى موظفًا يضيء، سارع إلى تغطية النور. وإن برز جهدٌ صادق، طمسه بصمت.

لا يصرخ، لا يوبّخ، لكنه يُمارس أقسى أنواع الإدارة:

القمع الصامت وهذا ليس مبالغة بل واقع كثير من الموظفين الذين يعيشون يوميًا تحت إدارة لا تعترف إلا بصوتها، ولا تسمح إلا برأيها، وتختزل الولاء في الطاعة العمياء.

ما هو الصراع الداخلي الذي يشعر به الموظف مع عقلية الديناصور؟ 

أشعر أنني أختنق دون أن يتحدث أحد. أقدّم أكثر، أتعب أكثر، أبدع أكثر، لكن النتيجة دائمًا واحدة: لا شيء.

لا تقدير، لا فرصة، فقط صمت وأحيانًا تجاهل متعمد. 

أخاف أن أُظهر مهارة جديدة، لأنني أعلم أن العقوبة ستأتي بصيغة ناعمة: تهميش، أو تجاهل، أو نقل من مشروع كنت أعمل عليه بحب.

بهذه العبارات يعيش الموظف مع عقلية الديناصور

فمما يعاني هذا الموظف؟ 

هذا ليس موظفًا يعاني من ضغط العمل

بل من اضطهاد إداري مقنّع، يمارسه مدير ذو “عقلية ديناصور”، دون صراخ، ولكن بكامل الأثر المؤلم.

العمل تحت عقلية متصلبة لا يسبب فقط الإرهاق المهني، بل يُنتج سلسلة من التفاعلات النفسية المعقدة:

كل قرار، كل فكرة، كل محاولة تضع الموظف في حالة ترقّب دائم:

“هل سيتقبلها؟ هل سيعتبرها تطاولًا؟ هل سأُعاقب بنقل أو بتجميد؟”

العقل هنا لا يعمل بحرية، بل تحت ضغط “الإفلات من الأذى”، وهذا وحده كفيل بتدمير الإبداع.

الحافز لا يعيش في بيئة لا تفرّق بين المتقاعس والمجتهد.

حين لا تُثمر الجهود، تبدأ النفس بالتآكل.

يصير العمل واجبًا لا رغبة، ويبدأ الموظف بممارسة “الاستقالة النفسية”، وهو لا يزال على رأس عمله.

في ظل هذا المدير، تُصبح المبادرة مغامرة محفوفة بالعقوبات، ولو كانت غير مباشرة.

فيبدأ الموظف بالتردد، ثم بالخوف، ثم بالانسحاب من كل مساحة يمكن أن تُظهره، فيعيش دور “المتفرج” رغم امتلاكه كل أدوات التأثير.

المشكلة أن الديناصور لا يُرهق موظفًا واحدًا فقط، بل يُعطّل المنظومة:

• المشاريع تفتقر إلى الجرأة.

• الاجتماعات تتحول إلى مونولوج بصوت المدير فقط.

• فرق العمل تفقد الثقة ببعضها، لأن الكل يتصرف برد فعل، لا بإبداع حقيقي.

• وتبدأ “ثقافة الصمت” بالتغلغل: الكل يرى، ويفهم، ويشعر لكن لا أحد يتكلم.

والأسوأ، أن الموظف الموهوب إما يغادر، أو يتحول إلى موظف عادي جدًا فقط ليبقى آمنًا.

أرى منظومات تخسر دون أن تدري وأرى مدراء يظنون أنهم “يحكمون السيطرة”، بينما هم يهدمون تدريجيًا جدران الثقة، والطموح، والانتماء.

أرى موظفين كانوا شعلة طاقة، تحولوا إلى أجساد تداوم دون روح وأسمع من كثيرين جملة تتكرر:

“أنا لم أعد كما كنت، هذا المكان أطفأ شيئًا بداخلي”.

ماذا أفعل إذا كنت في هذا الموقف؟

ذكّر نفسك دائمًا بأن هذا المدير لا يُحدد قيمتك، بل يعكس قصوره لا قصورك.

وجود زملاء يتشاركون معك الشعور، أو بيئة خارجية محفزة (حتى ولو تطوعية)، قد يُبقيك متوازنًا.

اعرض أفكارك بذكاء، ودوّن كل جهد تبذله، فربما تحتاجه لاحقًا في نقاش تقييم أو انتقال.

أحيانًا، النجاة ليست جبنًا، بل شجاعة من نوع مختلف.

من المفارقة أن “عقلية الديناصور” كثيرًا ما تصف الجيل الجديد بالهشاشة بينما هي التي لا تحتمل التغيير.

المدير الحقيقي لا يخاف من اللمعان حوله، بل يصنعه.

ولا يحرس سلطته، بل يبني ثقة تُغنيه عن التسلط.

والموظف الجيد ليس تهديدًا… بل فرصة.

لكن لا يراها إلا من كانت عيناه تتجه للأمام، لا للماضي.

للتوضيح حول معاني بعض المصطلحات المستخدمة في المقالة:

معنى كلمة مونولوج: حديث فردي مطوّل يقوم به شخص واحد، سواء كان يتحدث مع نفسه أو يخاطب الجمهور دون مشاركة من شخص آخر

معنى متكلس: تُستخدم لوصف شيء جامد أو متحجر، أي أنه توقّف عن التطوّر أو التجديد

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑