قرأتُ صباح هذا اليوم عبارة أثارت في داخلي تساؤلات كثيرة، تقول: “كل إنسان قبطان في البحر الساكن”. للوهلة الأولى، تبدو العبارة بسيطة، لكن في عمقها تكمن صورة بليغة لحقيقة سلوكية ونفسية نعيشها جميعًا دون أن نعيها دائمًا: نحن غالبًا نبدو أقوياء فقط عندما تكون الحياة سهلة.
في الأوقات الهادئة، عندما تسير الأمور على ما يرام، لا تواجهنا اختبارات حقيقية. فتظهر شخصياتنا متزنة، قراراتنا محسوبة، وردود أفعالنا ناعمة.
لكن هل هذا هو جوهرنا؟ أم مجرد انعكاس للظروف المحيطة بنا؟
اثناء دراستي لعلم النفس تعلمت أن الإنسان في لحظات الهدوء لا يُختبر حقًا لأن “الأنا” المتماسكة في ظاهرها، قد تكون هشّة في العمق، وتتفكك بسرعة عند أول أزمة.
في الأوقات الصعبة، تظهر استجاباتنا النفسية الحقيقية منّا من يُصاب بالهلع، ومنّا من يدخل في حالة إنكار، ومن يتجمد خوفًا من اتخاذ القرار
البعض يهرب من المواجهة، والبعض الآخر يفقد أعصابه أو يحمّل الآخرين مسؤولية ما يجري.
هذه ليست عيوبًا بقدر ما هي طبقات من الذات تتكشف حين تضغطنا الحياة.
لكن في المقابل، هناك من يزدهر تحت الضغط.
من يستطيع أن يُهدئ نفسه أولًا، ليفكر بوضوح وسط الفوضى.
هؤلاء القباطنة الحقيقيون لم يولدوا بهذه الصفات، بل غالبًا ما مرّوا بتجارب شكلت صبرهم ودرّبت عقولهم على احتواء الخوف وقلوبهم على تحمّل الألم.
علم النفس الإيجابي يشير إلى مفهوم “المرونة النفسية” وهي القدرة على التكيف في وجه المحن
هذه المرونة ليست موهبة فطرية بل مهارة تُبنى بالتجربة
وتلك العواصف، رغم قسوتها، تمنحنا فرصًا نادرة لنرى أنفسنا على حقيقتها، بعيدًا عن أقنعتنا الاجتماعية.
في بحر الحياة، نحن جميعًا نمسك بالدفة عندما يكون الجو صافياً نوجّه ونُصدر الأوامر، ونتحدث بثقة
لكن حين يضطرب البحر، تُكشف دواخلنا، وتخرج لاوعينا، وتتكشف أنماطنا الدفاعية التي لطالما أخفيناها حتى عن أنفسنا. ومن هنا تأتي القيمة الحقيقية للعواصف
أنها تفضحنا، ثم إن كنا صادقين تساعدنا على إعادة بناء أنفسنا بشكل أقوى، أصدق، وأكثر عمقًا.
لكن لعل السؤال الذي يجب نعيه من يقود ذاته حين تعصف بها رياح القلق والضغط والانكسار؟ أن تقود نفسك في أحلك الظروف وأصعبها، أن تحافظ على بوصلتك الداخلية حين تتلاطم الأمواج من حولك.
من يبقى قبطانًا حين يفقد السيطرة على كل شيء إلا نفسه؟
فالقبطان الحقيقي ليس من يبحر في المياه الهادئة، بل من يجد طريقه وسط العاصفة، يحمل معه شعلة الأمل والوعي، ويتذكر دائمًا أن الشمس تنتظر خلف الغيوم، وأن كل عاصفة مهما طالت لها نهاية.

أضف تعليق