في عالمٍ امتلأ بالأقنعة، لست بحاجة إلى عدسة مكبّرة لتكشف مَن حولك كل ما تحتاجه هو لحظة غضب فالإنسان في لحظة الغضب لا يخرج عن طبيعته، بل يعود إليها تسقط آليات الرقابة النفسية، وتظهر الدوافع الحقيقية التي طالما خبأها تحت ستار التهذيب
الكلمات التي تخرج في الانفعال ليست طيشًا مؤقتًا، بل كشفٌ داخليّ لما كان يُكبت طويلاً.
الغضب يُضعف القشرة الاجتماعية، ويجعل العقل الواعي يتراجع، ليتكلم العقل الباطن حيث ترقد الأحكام الدفينة، والمشاعر المكبوتة.
كل كلمة في الغضب، ورقة تسقط من دفتر النوايا،
ومن نطقها لم يخترعها فجأة بل خزنها في أعماقه حتى أثقلته، فانفجرت.
فبعض الأشخاص لديهم احتياج نفسي دائم للشعور بالأهمية، وحين لا يجدونها في التقدير، يبحثون عنها في الشفقة.
إنهم لا يحتاجون إلى خطأ منك، بل إلى سردية يعيشونها يختلقون الحديث، يُضخمون الحدث، ويضعون أنفسهم في دور الضحية هذه آلية دفاع نفسي تُعرف بـ “الإسقاط”، حيث يُسقِط الفرد ألمه الداخلي على الآخرين، ويُحمّلهم ما لا علاقة لهم به.
وعندما تقترب الحقيقة من الظهور، يهرب منها بالدموع، بالصوت العالي، أو بالتباكي لأن تضخيم الانفعال يخلق ستارًا نفسيًا يحجب به مواجهة الذات.
لكن ما لا يدركه، أن التكرار يُفقد الصدق ملامحه، وأن الحكاية المُبالغ فيها لا تصمد أمام ذاكرة الناس اليقظة ونعلم جيدًا بأنه ليست كل غيرة مادية فبعض النفوس لا تضيق بثروتك، بل بثباتك يرون في سلامك الداخلي تحدّيًا صامتًا لشتاتهم، وفي صبرك صفعة غير معلنة لعجزهم عن التماسك.
تلك النفوس تُصاب بما يُعرف بـ “الغيرة الوجودية” وهي لا تتمنى زوال ما عندك فقط، بل تتألم لأنك لا تنهار لذا، تبدأ بالمراقبة، بالحساب، بالتشكيك، ثم بالتخريب الناعم تحت مسميات اجتماعية، تحمي مشاعرهم الدفينة فلحظة واحدة من الانفعال قد تكشف ما أخفته سنوات من اللباقة.
نظرة، نبرة، تعليق عابر كلها مؤشرات سلوكية صغيرة،لكن خلفها عقل غير متزن، وصراع نفسي لم يعد يحتمل الستر فالنفوس الزائفة تُتقن التوازن حين تكون الأمور تحت السيطرة، لكن عندما تهتز المشاعر، يظهر وجهها الحقيقي دون أن تشعر.
فهؤلاء لا يُخطئون عند الغضب بل يتعرّون من يُهاجمك بكلمات تنم عما بداخله من رغبة في زوال نعمتك، او في شخصك عند أول خلاف، لم يُخطئ، بل عبّر عن محتوى داخلي ظل مكتومًا.
الغضب لا يُنتج الكراهية بل يكشفها من مخزونها ولذلك لا تُصدّق من يقول لك: “كنت منفعلاً ولا أعني ما قلت.” بل اسأله: “ولِمَ احتفظت بكل هذا في قلبك طوال الوقت؟” الغضب يُعري نية الإنسان، ويكسر قناع ضبط النفس، ويكشف ما لم يجرؤ على قوله حين كانت العلاقة هادئة.
فالإنسان الطاهر لا يُقاتل بأسلحة ملوّثة النفوس النقيّة لا تلجأ إلى الفُجور في الخصومة، ولا تحتاج إلى التخبيب والتخريب كي تُثبت ذاتها.
فهي تدرك أن الكرامة لا تُبنى على الهدم، وأن الثبات لا يحتاج إلى صوتٍ عالٍ أو خداعٍ خفي من كان صافي القلب، يُخاصم بصدق، ويعاتب برقي، ويرحل بصمت.
أما من تعوّد أن يثبت نفسه بهدم الآخرين، فذلك جوع داخلي للسيطرة، لا نُبل فيه ولا رشد، نابع من نفس حاقدة، وحاسدة، ومتجوعة للشفقة.
أنا – شخصيًا- لا أُحكم على الناس في هدوئهم بل في اضطرابهم لا يخدعني لطف العبارات، ولا يغرّني هدوء المجالس لا أقيس معدن الإنسان حين يكون مرتاحًا بل أقيسها من خلال أدنى خلاف، أو اختلاف، أو ” اختلاق” دون أن يتذكّر توازن الصورة التي رسمها لنفسه.
في لحظات الغضب، أُصغي بانتباه ليس لأحاسب، بل لأفهم:
كيف يُفكّر؟ كيف يُفسّر؟ ما منطقه؟ وما حدود أخلاقه حين تتعطل المجاملات؟
الغضب يكشف البنية الأخلاقية للإنسان، لا مجرد حالته المزاجية.
فمن يملك قلبًا سليمًا، يختار كلماته حتى في الخلاف،
يخاصم بأدب، ويغضب بكرامة، ولا يسمح لذاته أن تهبط لمستنقع الإساءة.
وقد علمتني التجارب أن: “سليم القلب يُؤتمن حتى في عداوته، ومرضى القلوب لا يُؤتمنون حتى في صداقتهم.”
ولكن تذكر جيدًا ” نحن لا نمحو الأخطاء ، بل نطوي الصفحة”
لسنا ممّن يحمل الحقد، لكننا لا نجيد العيش وسط الازدواجية
لا ننتقم، ولا نُطيل الخصام، لكننا أيضًا لا نغفر لمن يُتقن اختلاق الأحاديث، وافتعال المشكلات.
هؤلاء لا يبحثون عن حلول، بل عن فوضى تغذي احتياجهم للشعور بالقوة، فالعفو في عيونهم لا يُفهم كقيمة بل يُفسّر كضعف.
ولذلك لا نعود للصفحات القديمة بل نغلقها بهدوء، ونمضي، لا لنُعاقب، بل لنحمي سلامنا الداخلي من أن يُستهلك مجددًا في علاقات غير متوازنة.
وفي النهاية- والحمدلله- لا قناع يدوم إلى الأبد
فالإنسان لا يستطيع إتقان التزييف إلى الأبد كل قناع يتشقق مع الوقت، وكل حقيقة تظهر في اللحظة المناسبة اعلم أن من يُؤذيك حين يغضب، كان يحمل بذور الأذى منذ البداية، وأن من يختلق المعارك لا يطلب حقًا، بل يفتّش عن دور.
أما القلوب النقية فحتى في قمة الغضب، تحافظ على نبرتها، على احترامها، لأن الصدق متجذّر فيها لا يتغير بتغيّر المواقف، أما من امتلأ سُمًّا فحين يفيض، يسقيك كل ما أخفاه وتلك ليست لحظة ألم بل لحظة تحرّر من أقنعة المجاملة، من ثقل الادعاء، من زيف العلاقات التي لم تبنَ على محبة خالصة أو نية صافية.
حينها لا تسمع كلمات بقدر ما تكتشف نوايا، ولا ترى انفعالات بقدر ما تنكشف لك حقائق.

أضف تعليق