في لحظة ما من يومك، قد تنهار ليس لأن حدثًا كبيرًا قد وقع!، بل لأن فكرةً صغيرةً تسلّلت كهمسة، ثم تضخّمت حتى صارت صرخةً بداخلك.
صرخة تتغذى من تلك العبارات التي تُقال في الخفاء” أنا فاشل/ة لا شيء يتغير، كل الطرق مغلقة، لا املك حظًا”
لكن، تذكر دائمًا :
تِلك العبارة التي تقول ” حتى الساعة المتعطلة تُظهر الوقت الصحيح مرتين في اليوم”
هل هي عبارة عابرة؟ ربما.
لكنها تهمس بحقيقة جوهرية: لا شيء يُثبت فشلك سوى طريقة تفكيرك!
فهذه العبارة البسيطة لا تذكّرنا فقط بإمكانية وجود إيجابية في كل ما هو معطوب، بل تكشف أيضًا حقيقة نفسية عميقة: الأفكار التي نسمح لها بالبقاء في عقولنا، تصنع حالتنا النفسية، وتصيغ واقعنا الداخلي والخارجي.
في علم النفس المعرفي، يُقال إن المشاعر لا تنبع من الأحداث نفسها، بل من تفسيرنا العقلي لها.
هذه التفسيرات – أو “الأفكار التلقائية” – هي التي تحدد كيف نشعر ونتصرف.
حين تفشل وتقول لنفسك:
“أنا بلا قيمة”، فأنت لا تصف الواقع، بل تضع عدسة سوداء على عينيك تُعتم بها العالم وتجعل كل شيء يبدو مميتًا.
بينما إن قلت: “ربما لم أنجح الآن، لكن هذا لا يعني أنني عديم القدرة، سأحاول مجددًا”، فإنك تدعم جهازك النفسي بدل أن تهدمه
تذكر بأنه :
لكل ناجح قصة خفية من المحاولات، من السقوط، ومن الأبواب التي أُغلقت.
لكن هناك من اختار أن يرى تلك اللحظات لا كدليل على الفشل، بل كمساحة للنمو
علم النفس يُثبت أن الدماغ يتفاعل مع الأفكار كما لو كانت حقائق فالفكرة التي تكررها، تصبح معتقدًا. والمعتقد يصبح نمطاً ذهنياً يعيد تشكيل مزاجك وسلوكك.
فإذا كنت تكرر لنفسك: “أنا محظوظ بكل ما أملكه حتى الآن”، سيبدأ دماغك في رصد الفرص لا العقبات، وسيتجه تركيزك إلى ما تملك لا ما ينقصك.
هذا ليس “تبسيطًا”، بل إعادة برمجة.
نحن لا نختار دائمًا ما يحدث لنا، لكننا نملك قوة نادرة: اختيار معنى ما يحدث لنا.
وهنا يكمن الفرق بين من ينهض ومن ينهار.
حين يرفضك شخص ما، يمكنك أن ترى الأمر على أنه رفض لقيمتك، أو أن تعتبره مساحة للتعلّم، أو بوابة للقاء من يستحقك فعلًا. الموقف نفسه، لكن التفسير مختلف، والمشاعر الناتجة مختلفة تمامًا.
في العلاج المعرفي السلوكي تُعد إعادة صياغة الفكرة أداة مركزية
تُواجه الأفكار التلقائية السلبية بأسئلة بسيطة:
• هل هذه الفكرة حقيقة أم مجرّد تفسير؟
• ما الدليل على صحتها؟
• ما الدليل ضدها؟
• كيف كنت سأفكر لو أن صديقي في موقفي؟
هذه الأسئلة البسيطة لا تقتل الفكرة السلبية، لكنها تكشف زيفها، وتمنحك منظورًا أوسع.
ومع الوقت، يتغير الحوار الداخلي.
الفكرة الإيجابية ليست سذاجة، بل مقاومة نفسية ذكية ضد التشويه الداخلي. أن تقول لنفسك “سأحاول مرة أخرى” ليس تجاهلاً للفشل، بل بناء لجسر بينك وبين ذاتك المتجددة.
نحن نعيش داخل رؤوسنا أكثر من أي مكان آخر. فما لم نزرع الوعي والرحمة في أفكارنا، سنظل نعيش في قلق، حتى وسط النعم.
“الإنسان ليس ضحية العالم، بل ضحية أفكاره عن العالم.” – كارل يونغ
لا أحد ينجو من السقوط، لكن كثيرين لا ينهضون لأنهم يظنون أن الفكرة السيئة هي الحقيقة النهائية. الحقيقة أنها مجرد سحابة، لا أكثر.
ابدأ من لحظاتك الصغيرة:
حين تستيقظ، راقب أول فكرة.
حين تفشل، راقب أول جملة تقولها لنفسك.
حين تخاف، لا ترفض الخوف بل اسأل نفسك ومشاعرك “ما الذي تحاول أن تعلّمني إياه؟”
كل ذلك ليس فلسفة عابرة، بل ممارسة نفسية تُغيّر طريقتك في رؤية الحياة.
احرس افكارك فالفكرة مثل البذرة، تُزرع دون أن نراها، لكنها تنمو بداخلنا، وقد تتحول إلى شجرة ظلّ، أو شوك.
اختر أن تزرع ما يسندك، لا ما يُرهقك لا يوجد إنسان قوي طوال الوقت، لكن يوجد من يعرف كيف يُعيد توجيه أفكاره كلما ضلّت الطريق.
حتى الفكرة السيئة، يمكن أن تكون بداية شفاء
إن أنت قررت أن تراها من زاوية جديدة.

أضف تعليق