في العلاقات، لا يُقاس الأذى دومًا بالصوت العالي، بل أحيانًا يُمرّر بهدوء، تحت اسم “الاهتمام”، أو “الصدق”، أو حتى “الحرص عليك”.
وهذا بالتحديد ما يفعله أصحاب الشخصيات السامة؛ إذ لا يأتونك وهم يلوّحون بالعداوة، بل يقتربون وهم يرددون: “أنا معك، بس لازم أقول لك الحقيقة.”
وما بين الحقيقة والتخريب، شعرة لا تراها العين المجردة، بل يشعرها القلب المتعب من الشك والتناقض.
الشخص المتلاعب لا يُخطئ عفويًا. هو يُخطئ بتخطيط، أو على الأقل، بسلوكٍ تبريري مدروس.
يؤلمك، ثم يُقنعك أن ألمك هو رد فعل مبالغ فيه.
يسبب لك الحيرة، ثم يقول إنك من تُحب أن تخلق الدراما وحين تُطالبه بالوضوح، يتهمك بعدم النضج.
هكذا تتم صناعة “الذنب النفسي” في داخلك، وهكذا تبدأ تفقد ثقتك بما تراه وتسمعه وتشعر به.
وحين تقترب من كشف سلوكياتهم، لا تجد أمامك ردًا عقلانيًا بل تجد انفجارًا عاطفيًا.
دموع، صوت مرتفع، اتهام بأنك سبب كل ما يحدث.
هذه ليست عاطفة حقيقية، بل وسيلة دفاعية تُعرف في علم النفس بـ “التحويل الانفعالي”، وهي آلية للهروب من المساءلة بتغليف الخطأ بانفعال يُربك الطرف الآخر.
المتلاعب لا يبحث عن حلول، بل عن سردية بطولية يظهر فيها كضحية، والمفارقة أن كل من حوله يشعر بالذنب، عدا هو.
الشخصية السامة لا تقول لك: “أنا آسف، أخطأت.”
بل تقول: “أنا آسف إنك فهمتني غلط.”
هو لا يرى نفسه جزءًا من المشكلة، بل يراك سببها.
وحين تضع له حدودًا، يتحول فجأة إلى منبوذ يُخبر الآخرين أنك تغيّرت، أنك لم تعُد كما كنت.
والحقيقة أنك لم تتغير، بل فقط استيقظت.
ضبط العلاقة مع المتلاعب لا يعني أن تصبح مثله، بل أن تعي كيف تدير المسافة بينك وبينه.
أن تقول: “كفى” دون أن تشرح أكثر مما يجب.
أن تحفظ طاقتك من التبرير المستمر، والركض خلف تصحيح الانطباعات.
في النهاية، لا أحد يستحق أن تُشكك بذاتك لأجله.
ولأننا نرى الحقيقة في الانفعال، راقب لا ما يُقال، بل كيف يُقال
ففي لحظة الانفعال، يُسقط الإنسان ما في داخله.
فمن يهاجمك بكلمات جارحة عند أول اختلاف، لا يعاني من غضب مؤقت بل يحمل في داخله رغبة دفينة في أذيتك.
الإنسان النقي، حتى في خصومته، لا يُلوّث لسانه.
فلا تنس! ” الغضب لا يُنتج الكراهية، بل يكشفها”.
في علاقاتك، لا تُرهق نفسك في تحليل كل كلمة، وتفسير كل فعل متناقض.
من يتلاعب بك، لا يحتاج توضيحًا، بل يحتاج مسافة ولا تنخدع بمن يطلب العفو فقط لأنه خائف من خسارتك، فالمُحب لا يؤذي، وإن أخطأ، لا يبرّر.
“النية السليمة لا تحتاج إلى اختلاق المبررات، بل إلى وقفة شجاعة تعترف بالخطأ وتصحّحه دون مسرحية.”

أضف تعليق