الأثر الذي لا يُمحى حين تكون الشرارة الأولى!

في زحام العمل، وتحت ضغط الأهداف، والمشاريع، والمنافسات الصامتة ينسى البعض أن أقوى ما يتركه الإنسان خلفه ليس إنجازًا، بل أثرًا.

الأثر لا يُسجّل في نظام الموارد، ولا في تقييم الأداء،

بل يُطبع في النفوس، ويُحفر في ذاكرة الزملاء، ويُحمل في دعوات تُقال في ظهر الغيب إمّا لك، أو عليك.

لكن ما الأثر الذي نتركه؟

هناك من يترك أثرًا طيبًا، يُصلح دون أن يفضح،

يقول الحق دون أن يهين، يتحدث بحب، ويحترم اختلاف الآخرين، يُنصف من يغيب، ويستر من يُخطئ،

ويتذكّره الناس بعد غيابه بابتسامة ورضا.

وفي المقابل، هناك من يختار أن يكون شيئًا آخر

يظن نفسه ناصحًا، مصلحًا، صاحب رأي ورؤية،

لكنه في الحقيقة الشرارة الأولى.

ليس من يُشعل الحريق، بل من يُشعل الشك.

من يُمرّر كلمات صغيرة، تزرع أفكارًا سامة من يبتسم أمام زميله، ثم يُشير إليه في غيابه، من يتحدث بنبرة “الحرص” أمام الإدارة، لكنه يحمل في قلبه حبًا للظهور، لا للحق فالشرارة تُشعل أكثر من نار

كم من شخص طُعن دون أن يُسمى؟  

وكم موقف بدأه أحدهم وهمس فيه “مجرد ملاحظة”؟

ثم تحوّل لعاصفة أقصت أحدهم، أو شوهته، أو دفعت به إلى الهامش.

الأخطر؟

أن هذا النوع من الأشخاص لا يصرخ، لا يواجه، لا يفضح بشكل مباشر بل يُلمّح، يلمّع نفسه، ويُسكت الآخرين بلغة “أنا فقط أفعل ما يمليه علي ضميري.”

لكنه يتناسى شيئًا لا يخطئ أبدًا أن لكل ساقٍ ما سقى

الله لا ينسى من زرع الخوف في قلب زميلٍ صادق ولا من خنق الثقة داخل فريق كان ينهض ولا من استغل غياب أحدهم، ليبني لنفسه حضورًا زائفًا

فكل كلمة، كل إشارة، كل لفتة محفوظة تُسقى لصاحبها من نفس الكأس في وقت قد لا يتوقّعه، ومن باب لا ينتبه له.

أحرص الا تكن بداية الحكاية السيئة في حياة أحد

أحيانًا نحن لا نطرد أحدًا، لكننا نكون السبب الأول في استبعاده 

لا نصرّح، لكن نهمس بما يكفي لتوجيه القرار 

لا نؤذي باليد، لكن بالكلمة، والنظرة، والتلميح.

ثم نعود لمكاتبنا، ننجز مهامنا، ونشعر بالرضا دون أن نُدرك أن هناك مَن يعود إلى بيته محطمًا،

مكسور الخاطر، يُصلي ويبكي ويقول في دعائه: “حسبي الله ونعم الوكيل.”

قد تُمحى الإيميلات، وقد تُغلق الملفات، لكن لا شيء يُغلق في السماء والدعوات لا تحتاج بريدًا لتصل والمظالم لا تحتاج محاميًا حين تُرفع إلى العادل.

فاسأل نفسك، قبل أن “تحرص” على إيصال الخطأ:

هل أنا أُصلح، أم أظهر؟ 

هل أرفع الفريق، أم أرفع نفسي على ظهورهم؟ 

هل ما أقوله للمدير أستطيع قوله لصاحبه؟ 

هل سأكون مرتاحًا لو علم أنني من بدأ الحديث؟

اختر أثرك… بحكمة لأن الناس قد تنسى ما قلته،

لكنها أبدًا لن تنسى كيف جعلتهم يشعرون.

وسيأتي يوم يُذكر فيه اسمك، لا كإنجاز، بل كقصة إما تُروى بفخر، أو تُهمس بالألم. فاحذر أن تكون الشرارة الأولى!

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑