السُّلطة الفرعونية في بيئة العمل المعاصرة! 

إن في قصص القرآن الكريم عبرة لمن يعتبر، وقد ضرب الله لنا في فرعون وطغيانه مثلاً ليس فقط كحدث تاريخي، بل كنموذج متكرر للاستبداد في كل زمان ومكان. 

فنجد اليوم في بيئات العمل المعاصرة ما يشبه هذا النموذج الفرعوني، وإن اختلفت الأشكال والوسائل.

ففي بيئات العمل ما يذكرنا بـ”فرعون” في طغيانه، لكن بصورة معاصرة. فالشخصية الفرعونية لا تُقاس فقط بالتيجان والعروش، بل قد تتجسد في مدير متسلط، أو مسؤول يرى نفسه فوق القانون والمساءلة، أو قائد يستغل سلطته لإخضاع الآخرين وإذلالهم.

في هذه البيئات، تولد الشخصية “الفرعونية” من رحم الغرور وغياب الرقابة الأخلاقية والإدارية، وتزدهر على حساب كرامة الإنسان وإبداعه.

هذا الفرعون الجديد لا يحمل عصا موسى التي شقّت البحر ونجّى بها قومه، بل يمسك بسلطته ليحجب فرص التقدم؛ غير مدرك أن مصيره كمصير فرعون الذي غرق حين طغى

وكما كان لفرعون أعوانه، فإن للطاغية المعاصر “أعوانه المتواطئين” – أولئك الذين يبررون الظلم، ويزينون الاستبداد، ويتغاضون عن الانحرافات إما خوفاً أو طمعاً في المنافع.

يصفقون لقراراته الجائرة، وينقلون له الأخبار ليستميلوا رضاه، ويستميتون في حماية صورته المزيفة، ولو على حساب الحقيقة والعدالة.

 هم الوجه الآخر للظلم، يرسخونه ويطيلون عمره.

لكن سنة الله في خلقه تثبت أن كل “فرعون” له أجل، وأن سلطة القهر مهما طالت فإنها تترك خلفها خراباً ونفوساً مثقلة بالخذلان. 

والبيئات التي يحكمها الاستبداد المعاصر تصبح فقيرة في إنتاجها، خاوية من الإبداع، لأن الإنسان المقموع لا يعطي ثماره الحقيقية.

فلكل ظالم عاقبة، ولكل مدير طاغية ضريبة يدفعها من رصيد مؤسسته وإنتاجيتها!

إن الشخصية الفرعونية في الإدارة تترك آثاراً عميقة على النفس البشرية من خلال خلق بيئة توتر مستمره وإرهاق داخلي بسبب الخوف الدائم من العقاب أو التهميش وانعدام الأمان النفسي حيث يشعر الموظف أن جهده وإنجازاته لا تحميه من التعسف والإحباط وفقدان الدافعية من خلال تحول العمل إلى مجرد وسيلة للبقاء لا للإبداع والعطاء

لمواجهة هذا الواقع، يحتاج الموظف إلى بناء حصانة نفسية مستمدة من تعاليم ديننا الإسلامي: 

1. الفصل بين الذات والظلم

قسوة المدير الظالم ليست انعكاساً لقيمتك الحقيقية، بل لمرض روحي وأخلاقي يسكن قلبه. 

تذكر أن كرامتك من الله، لا من تقدير البشر.

2. الدعم 

الأصدقاء الصالحون والزملاء الموثوق بهم وسيلة لتفريغ الضغط ومشاركة التجربة، فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً.

3. تدوين النعم والنجاحات

اكتب إنجازاتك وما أنعم الله به عليك لتذكير نفسك بقيمتك الحقيقية، بعيداً عن تقييم المدير المنحاز.

4. الحكمة في التعامل

“وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً” – اختر معاركك بحكمة وتجنب المواجهات غير المثمرة.

5. ربط العمل برسالة أسمى

اجعل لعملك معنى أكبر من مجرد الراتب خدمة المجتمع، طلب العلم، أو مساعدة الآخرين.

6. الذكر والدعاء

“ألا بذكر الله تطمئن القلوب” – خصص وقتاً يومياً للذكر والدعاء لتخفيف التوتر وتقوية الصلة بالله.

الشخصية الفرعونية تحتاج إلى مقاومة حقيقية تبدأ بالوعي، وبإدراك أن السلطة الظالمة ليست أبدية. الانحناء المستمر للباطل لا يخلق الأمان بل يزيد الطغيان ويغذيه.

الكلمة الصادقة، والوقوف الشجاع للحق، والتمسك بقيم العدالة والنزاهة هي أدوات المقاومة المشروعة التي يحمي بها الموظف كرامته وإبداعه، مستلهماً من قول الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم والوالدين والأقربين”.

يبقى السؤال معلقاً على جدران كل مؤسسة: 

هل نسمح للاستبداد أن يحكم بيننا؟ 

أم نسعى لبناء بيئة عادلة، تحكمها قيم العدالة واحترام الإنسان، حيث تقاس القيادة بالعدل والإحسان لا بالقهر والطغيان؟

إن الإسلام علمنا أن العدل أساس الملك، وأن القائد الحق هو من يخدم من تحت يده، لا من يستعبدهم. ولعل في تذكر هذه المبادئ ما يعيد لبيئات العمل روحها الإنسانية ورسالتها الحضارية.

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑