الحسد والنكران وجه آخر للعطاء

الحية التي تسقيها فتجازيك سمًا هي صورة بليغة للحسد والنكران تمثل أولئك الذين تمنحهم الماء في صحراء العوز، فتظن أنك أحسنت إليهم، لكنك تفاجأ بأنهم يردّون عطاياك بسمٍّ زعاف تمامًا كما أن الحية لا تستطيع أن تغيّر طبيعتها، كذلك بعض البشر لا يقدرون المعروف ولا يردون الجميل، بل يقابلونه بالغيرة والحسد.

الحسد والنكران يشبهان سمّ الحية؛ خفيّان، يتسللان من حيث لا تدري، ليحوّلا العطاء النقي إلى جرح داخلي فالإنسان الحاسد لا يرى المساعدة إلا كمرآة تعكس نقصه، فيتحول ما قدمتَ له إلى تذكير بعجزه وهنا يكمن الخطر فالحية لا تلدغ لأنها جائعة أو عطشى، بل لأنها أسيرة طبيعتها وكذلك الحاسد، يحسد لأنه سجين داخله المظلم.

الحكمة تقتضي ألا نسمح لسمّهم أن يفسد صفاء روحنا فالعطاء الصادق لا يُقاس بردود الأفعال، بل بنقاء النية ومع ذلك، لا يعني هذا أن نترك أنفسنا عرضة للدغات متكررة؛ فكما نحمي يدنا من السم، علينا أن نحمي قلوبنا من الحسد والإنكار وليس عجيبًا حيث قال العرب قديمًا: “أقربُ الناس إليك قد يغدو ألدَّ أعدائك، إن نظرت عينُه إلى رزقك بحسد”، فالغدر كثيرًا ما يأتي من حيث لا نتوقع، ولحماية أنفسنا، علينا أن ندرك أن بعض النفوس لا تتغير، تمامًا كما لا تتخلى الحية عن طبيعتها المسمومة فالحذر هنا ليس قسوة، بل وعي يحفظ القلب والروح وأفضل وسيلة لتفادي الأذى هي وضع حدود واضحة، وعدم منح من لا يقدّر عطائنا فرصة لإيذائنا

البعد في هذه الحالات هو أصدق أشكال الحكمة؛ ليس هروبًا، بل حفاظًا على نقاء النية واستمرار القدرة على العطاء لمن يستحق فكما نترك الحية تمضي في طريقها، علينا أن نترك أصحاب النفوس المسمومة وشأنهم، ونوجه عطائنا نحو من يعرفون قيمة الخير.

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑