أن تُصبح في يومٍ عادي هو أكثر من يوم مميز

أن تفتح عينيك صباحًا، بلا ألمٍ يوقظك، بلا وجعٍ يذكّرك بأنك جسدٌ هشّ تلك ليست عادة إنها معجزة تمرّ كل يومٍ دون أن تراها.

نحن لا نرى النعمة حين تكون قريبة، نعتادها نستهلكها بصمت،حتى تُنتزع فجأة، فنصرخ كمن خسر شيئًا لم يكن يعلم أنه يملكه.

أن تستيقظ دون وخزٍ في صدرك، دون ألمٍ في مفاصلك، دون أن تحتاج مساعدة لتنهض هذا ليس “روتينًا”، هذا شكلٌ آخر من الكرم الإلهيّ.

لكننا لا نحمد، لأننا نظن أن العافية “حقّ” وليست “هبة”.

فهل تأملت يومًا، أن تكون عصرة الليمونة ألمًا؟

بالنسبة لك هي لحظة عابرة في اليوم العادي، طعمٌ حامض على الشفاه، لكن هناك من يعيش تلك اللحظة كعقابٍ يشتهيه: يختبر مرضى الأعصاب الألم في أي حركة بسيطة، وأصابع مرضى السكري تؤلمها أبسط الأمور، وكل حركة صغيرة تُذكّرهم بأن أبسط الأشياء تحتاج قوةً لم تعد فيهم

أن تمشي على قدميك، دون أن تلتفت،

أن ترفع كوب الماء إلى فمك دون أن ترتجف يدك،

أن تكتب رسالة دون أن تخونك أصابعك،

أن تتنفس بلا آلةٍ قرب سريرك هذه تفاصيل “عادية” فقط لمن لا يعرف معنى الفقد.

العادية، تلك الكلمة التي نحتقرها، هي الحلم الأقصى لمن ألمه جسده و أثقلته أدويته، إنه يتمنى أن يمرّ عليه يومٌ “عادي”،يوم لا يحمل فيه الألم مقعدًا دائمًا في جسده.

أما النفس الإنسانية فهي ميدان آخر من المعاناة أن تصحو محمّلًا بالقلق، أن تشعر بأن روحك مثقوبة، تتسرّب منك ببطء، أن تتأتئ في الكلام فيسبقك خجلك، كل هذا ألمٌ لا يُرى، لكنه يلتهم الإنسان من الداخل.

فحين تكون قادرًا على الكلام بلا خوف، على التنفس بلا ضيق،على أن تواجه يومك دون أن تنكسر في بدايته 

اعلم أنك في نعمةٍ لا تُقاس بالمال ولا بالإنجاز.

نحن نطارد “اليوم المميز”، وننسى أن أجمل الأيام هي التي تمرّ بسلام، أن تبيت دون أن تبكي، وتستيقظ دون أن تتوجع تلك هي الحياة الحقيقية لا ما تُخبرك به الإنجازات ولا التصفيق.

أن ترى، أن تسمع، أن تلمس، أن تشمّ، أن تتذوّق، أن تشعر هذه ليست “حواس”، إنها أبواب الحياة.

تُفتح لك كل صباح دون أن تدفع شيئًا، بينما هناك من يعيش خلف بابٍ مغلق، يسمع الحياة من بعيد ولا يستطيع لمسها.

تخيّل أن تفقد:

نعمة البصر، أن تستيقظ فلا ترى الضوء يتسلل من الستائر، أن تسمع صوت من تحب ولا تستطيع أن ترى ملامحه.

نعمة السمع، أن يتحول العالم حولك إلى فراغٍ أبكم، أن ترى الضحك دون أن تسمع صوته.

تخيّل أن يخذلك جسدك، أن تصبح أسير حركاتٍ محدودة،

أن تحتاج يدًا لتساعدك على فعل ما كان بديهيًا بالأمس.

حينها فقط، ستدرك أن العافية لم تكن “تفصيلًا”، بل كانت الحياة نفسها.

العافية ليست غياب المرض فقط،بل غياب الخوف.

أن يهدأ صدرك، أن تصمت أفكارك للحظة، أن تطمئن.

أن تنام بلا ألمٍ ولا قلقٍ ولا انتظار أن تمرّ عليك الساعات دون حربٍ في الداخل تلك هي العافية التي  نغفل عن شكرها كل يوم.

لا تنتظر الصفعة لتصحو ، لا تنتظر الفقد لتشكر، لا تنتظر أن ينكسر شيء فيك لتفهم أن العاديّ هو المعجزة

أن تصبح في يومٍ عاديّ ترى، تسمع، تتنفس، تمشي، تتكلم، وتضحك فأنت في قمّة مكاسب الحياة وأجملها فكل ما بعد العافية ترف، وكل ما قبل الشكر جهل،

أن تُصبح في يومٍ عاديّ معافى ليس حدثًا عابرًا، فاشكر، قبل أن يُذكّرك الفقد كيف كنت بخير.

الحمدلله – اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في دِيني ودنياي، وأهلي ومالي، اللهم استرْ عوَرْاتي، وآمِنْ رَوْعاتي، اللهم احفظني مَن بين يديَّ، ومِن خلفي، وعن يميني، وعنَ شمالي، ومِن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أُغتالَ من تحتي..

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑