اللوحة التي تُقرأ بالقلب قبل العين!

في مكتبي، حيث تتزاحم الأفكار وتتشابك الهواجيس والآمال، وضعت لوحة تحمل عبارة واحدة، لكنها أبعد من مجرد كلمات عابرة:

لم تكن تلك اللوحة زينة للمكتب، بل كانت زينة للروح. كنت أحتاج إلى ما يربّت على قلقي كلما ضاق صدري، وإلى ما يُعيد ترتيب أفكاري في اللحظات المزدحمة.

 فالإيمان — بعد الإيمان بالله — في الذات، وفي الرسالة، وفي الطريق الذي نسير فيه، هو النور الذي يبدد العتمة، وهو اليد التي تُمسك بنا حين تهتز خطواتنا، وهو الصوت الذي يعلو فوق الأصوات الداخلية التي تحاول أن تُضعف عزيمتنا أمّا الخوف،فبطبيعته يكبر بقدر ما نصغي إليه ويصغر بقدر ما نقف في وجهه ونخرس صوته.

ومع أن هذه العبارة تواسيني كل صباح، فإنني أعترف — بصراحة لا أخجل منها — أنني شخص كثير التفكير في المستقبل أفكر في غدٍ لم يأتِ بعد، وفي الأشهر القادمة وتفاصيلها، وفي الاحتمالات التي قد تواجهني. أعيش أحيانًا في دوّامة من القلق، لا لأنني متشائمة ولكن لأنني حريصة أرتب، وأحسب، وأضع سيناريوهات حتى لا أقع في مأزق غير محسوب، أو تعثّرٍ يفاجئني وأنا غير مستعدة وهذا الحرص الجميل يتحوّل أحيانًا إلى عبء يثقل القلب بدل أن يخفّف عنه.

لقد أدركت أن الخوف لا يأتي من حدث، بل من الفكرة عنه من الصورة التي ننسجها في خيالنا قبل أن تقع، وربما لا تقع أبدًا وهنا يأتي معنى تلك الجملة ليعيدني إلى نصابي: أن أخطط نعم، لكن لا أختنق أن أستعد، لكن لا أرتعب أن أنظر للأمام، لكن لا أفقد السلام ومع مرور الأيام، تغيّرت علاقتي بتلك اللوحة لم تعد مجرد قطعة على المكتب أو علامة في زاويته، بل أصبحت جزءًا من الوعي نفسه.

 واليوم، حين أرفع بصري، لا أراها على طاولة المكتب فقط بل أجدها بين عينيّ أراها في داخلي قبل أن أراها أمامي، حتى أصبحت محفورة في قلبي لا متكئة في زاوية مكتبي كلماتها لا تُقرأ بالعين فقط، بل تُقرأ بالروح كلما خفت، وتُقرأ بالعقل كلما ترددت، وتُقرأ بالقلب كلما هممت أن أتراجع خطوة.

وتعلمت أخيرًا أن الخوف قد يرافق الطريق، ولكنه ليس المؤهل لحمل المقود مكانه في المقعد الخلفي؛ يشعر ويتأثر ويعترض — لكن لا يقرر أما الإيمان فهو القائد، لأنه يمنح البصيرة بدل العمى، والأمل بدل العجز، والاتزان بدل الارتباك.

إيماني هو ما يدفعني لأمضي خطوة، حتى وإن كان الطريق غير مكتمل الرؤية.

وهكذا كلما ضاق الأفق، أو ارتفع القلق، أو ثقلت الأفكار، أعود إلى تلك العبارة التي استقرت بين عينيّ:

“إيمانك يجب أن يكون أكبر من خوفك.”

فأمضي وأنا أعلم أن الطريق لا يصنعه الخوف، بل تصنعه الثقة وأن الغد لا يُنتصر عليه بالقلق، بل بالطمأنينة والعمل والسعي، وأن الدرب — مهما طال — يكفيه قلب مؤمن وخطوة ثابتة.

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑