هل الخسارة هي الطريق الوحيد المؤدي إلى حياة مثالية؟ 

هناك لحظة ما، لا نعرف متى بدأت بالضبط، نقرّر فيها أن نكون “أقوياء” كما يتخيل العالم القوة بلا ألم، بلا ضعف، بلا سؤال واحد مهزوم.

 يبدأ الأمر بتجاهل بسيط، بعبارة “أنا بخير”، وبابتسامة نحفظ ملامحها جيدًا لأنها أصبحت واجبًا يوميًا.

ثم نجد أنفسنا، دون أن نشعر، نحمل على أكتافنا نسخة منّا لا تشبهنا لكنها تبدو “مقبولة” أكثر فمن خلالها نركض وراء حياة نظن أنها يجب أن تكون كاملة، مستقرة، بلا فوضى. 

نركض وكأننا نحاول إفلات أيدينا من يد الإنسان الحقيقي في داخلنا، ولكن لكل سببٍ نتيجة فما هي نتيجتنا؟

نفقد التقبّل، ونفقد المرونة ونفقد تلك القدرة الطبيعية على الاعتراف بأن الحياة ليست فيلمًا نرتّب مشاهده، بل تجربة غير مكتملة، تتسع لكل أشكال المشاعر، حتى تلك التي نخجل منها.

فهنالك اعتقاد خادع بأن الألم يتبخر إذا لم نُظهره لكن الحقيقة أنه يتحوّل إلى شيء آخر:

توتر يزداد بلا سبب، قلق يظهر في منتصف ليلة هادئة، غضب يثور في مواقف صغيرة لا تستحق، حزن ثقيل لا نعرف أين كان يختبئ، ألم يرتكز في المعدة او في الظهر!

الألم حين ندفنه، لا يموت، هو فقط يبحث عن مكان آخر يظهر فيه، بشكل آخر، في وقتٍ لا نتوقعه أما الغضب فهو الإبن البار للكبت ليس وحشًا، لكنه يصبح كذلك عندما نمنعه من الخروج الغضب المكبوت يصنع علاقة مشوّشة مع أنفسنا:

نثور على من نحب، نعاند، نصمت كثيرًا، نتجنب المواجهة، أو ننفجر فجأة في وجه موقف صغير ليس لأننا سيئون بل لأننا لم نتعلم أن نسمح له بالمرور.

فتحرير المشاعر ليس ضعفًا بل شجاعة معكوسة

هناك شجاعة نعرفها شجاعة الاحتمال لكن هناك شجاعة أعمق شجاعة الانهيار قليلًا لتقف بعدها بصدق، بلا أقنعة.

نحتاج أن نفهم أن التحرّر العاطفي لا يعني الانغماس في الحزن، ولا التعلّق بالغضب، ولا الغرق في الماضي.

هو فقط أن نقول للمشاعر تعالي خذي مساحتك، ثم ارحلي عندما يحين وقتك.

التحرّر هو أن نسمح لأنفسنا أن نكون بشرًا، على طبيعتنا، دون أن نحول ما نشعر به إلى عبء نخبّئه في صدورنا وينمو بصمت فالحياة ليست امتحانًا للمثالية الحياة لا تطلب منا أن نكون كاملين، بل أن نكون حقيقيين لا تريد منا وجوهًا صلبة، بل قلوبًا تعرف أن تتعامل مع الانكسار بسلام.

الحياة لا تعاقبك حين تبكي لكنها تتعبك حين تكابر عليها فعندما نتقبّل أن الألم جزء من الرحلة، يصبح الطريق أهدأ وعندما نسمح للمشاعر أن تتحرك كما تريد، نصبح أكثر اتساعًا، أكثر مرونة، أكثر قدرة على العيش دون تلك القسوة التي نتعامل بها مع أنفسنا.

فما يؤلمنا ليس الألم ذاته، بل مقاومتنا الدائمة له.

وما يبتلعنا بصمت ليس المشاعر، بل محاولتنا المستميتة لإخفائها.

فلنترك المثالية قليلاً ولنجعل الإنسان في داخلنا يتنفس.

فالحياة ليست معركة ضد الضعف، بل مساحة نتعلم فيها أن نكون أقرب لأنفسنا، مهما اختلف شكل مشاعرنا.

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑