مع نهاية السنة الميلادية، وبدء مرحلة التقييم تشعر كموظف بسيط بثقلٍ على صدرك، وخوفٍ يتسلّل بصمت من النتيجة فربما أنت سالم في بيئة عملك دون أن تنتبه.
فمن هو سالم؟
كان “سالم” يدخل مكتبه كل صباح وهو يحمل على كتفيه أكثر مما تحمله أوراقه.
لم يكن يبحث عن مجدٍ شخصي أو إنجازٍ يُعلّق على جدار، بل كان يسعى لشيء أكثر جوهرية:
أمان وظيفي يجعله ينام مطمئنًا، واستقرار مالي يحفظ كرامته، وبيئة تحترم جهده قبل أن تحاسبه على نتيجته.
كان يقدّم ما يستطيع، يتعلّم، يبادر، ويعمل حتى ساعات متأخرة، مؤمنًا بأن المؤسسة التي يبذل لأجلها من حقها أن تنمو لكن بشرط أن يشعر هو أيضًا بالنمو معها.
لكن ذات يوم، وبعد أسابيع من العمل على مشروع حساس، دخل عليه المدير، قلب النتائج بسرعة، وقال بنبرة خالية من أي اهتمام:
“كان المفروض تخلصه قبل.”
لم يعلّق سالم لكن شيئًا داخله تحرّك ببطء، شيء يشبه الخيبة، وغصّة لا تذهب بالماء ولا بالدموع.
لم تكن المشكلة في الجملة الباردة، بل في المعنى خلفها: لا أحد يرى الجهد، لا أحد يفكر بمصلحته الوظيفية، وقدميه تغوص في رمالٍ متحركة.
صار يشعر أنه يعمل في فراغ، وأن كل محاولةٍ لتطوير نفسه أو الدفاع عن مشروعه ليست إلا محاولة للنجاة من موجة قد تطيح به في أي لحظة.
وبدأت علامات الاحتراق الوظيفي تظهر بوضوح:
تراجع في الحماس، شعور باللاجدوى، تأرجح في الثقة، تساؤل دائم عن الأمان الوظيفي، وخوف من مستقبل لا يكافئ المُجدّين.
ومع مرور الوقت، فهم سالم المعادلة القاسية:
الإنسان لا يحتاج مديحًا ليتحرّك بل يحتاج شعورًا بالاستقرار.
يحتاج أن يعرف أن المؤسسة التي يعمل فيها تدعمه، تعتمد عليه، وتضمن له مستقبلًا آمنًا ما دام يعمل بإخلاص.
وعندما لاحظ أن زملاءه يمرّون بالمصير ذاته، أدرك أن المشكلة ليست فيه، بل هي ثقافة عمل كاملة تتجاهل حقيقة بسيطة:
الموظف الذي لا يشعر بالأمان لن يستطيع أن يعطي بكل طاقته.
ففي نهاية الأمر، كل فرد في منظومة العمل يريد أن يشعر أن لديه أرضًا ثابتة يقف عليها، وأن جهده لن يُهمل، وأن مستقبله لن يتهاوى بقرار واحد أو تقييم واحد.
فالتقدير ليس مجاملة، ولا كلمة تُلقى مرورًا.
إنه منظومة تحفظ كرامة الموظف، تحمي مستقبله، وتقدّر جهده باستقرار وظيفي ومالي يستحقه.
وحين يغيب ذلك، يكون الخطر أكبر من أن يُحتمل ليس على الموظف فقط، بل على المؤسسة كلها.
فالإنسان قد يتحمّل ضغوط العمل اللانهائية،
لكنه لا يتحمّل غياب الأمان.
فكم منّا ” سالم” ما زال يحاول أن يستمر؟ وهو يحمل في كتفيه ثقل شركة الكهرباء والماء والاتصالات، وتحصيل الديون، والقرض العقاري، وقرض البنك، وعقد السيارة المنتهي بالتمليك بينما يقف على أرض وظيفية هشة؟
فليس كل “سالم” سالمًا بحاله وليس كل من يظهر ثابتًا مستقرّ من الداخل

أضف تعليق