في الحياة، نركض جميعًا خلف “الوظيفة المثالية” تلك التي تمنحنا شعورًا بالأمان، وبأننا مرئيون، وبأن لوجودنا وزنًا في هذا العالم.
لكنني لم أكن أعلم أنني سأحصل يومًا على وظيفة لا يُعلن عنها في الإعلانات، ولا تُقاس بساعات العمل،
ولا تُنهى بتقاعد.
وظيفة تبدأ حين ينبض في داخلك قلب صغير، ويهمس لك: “من الآن… أنتِ الحياة.”
نعم، لقد حصلت على وظيفة بعقدٍ مدى الحياة – ولله الحمد- رحلتي مع الحمل لم تكن مجرد تجربة جسدية فقد كانت رحلة انكشاف.
انكشاف امرأة على حدودها، وعلى قوتها الحقيقية.
كنت أذهب إلى عملي كل صباح، وجسدي ينوء بثقلٍ لم يعرفه من قبل، وروحي تحمل ما هو أثقل، حياةً كاملة تنمو داخلي، أحمل حقيبتي على كتفي وأحمل حياة صغيرتي داخلي، كل حركةٍ منها، تذكّرني أنني لست وحدي في هذه الرحلة، وأن في داخلي حياةً تؤمن بي كما أؤمن بها
مارست عملي إلى بداية الشهر التاسع، حتى أصبح المشي عبئًا، وحتى صار الطريق من مكتبي إلى بوابة الخروج رحلة صامتة من التماسك.
كنت أخطو ببطء، وأخفي خلف ابتسامتي سؤالًا مخيفًا:
هل سأصل؟ هل سأكمل؟ هل سيخذلني جسدي في لحظة؟
ومع ذلك لم أتراجع.
حملت عملي بكرامة وحاولت فيها أن أثبتُّ أن المرأة حين تُمنح الثقة،تُبدع حتى في أصعب ظروفها.
مررت خلال الرحلة بمرحلة خطرة، مرحلة جعلتني أنظر إلى السماء أكثر مما أنظر إلى الأرض، لكنني تجاوزتها — بفضل الله أولًا، وبقلبٍ لم يعرف الاستسلام.
ثم اضطررت أن أتخلى عن أشياء أحبها، عن متع صغيرة كنت أعتبرها بديهية وهنا تعلمت أن القوة لا تعني التحدي الأعمى، بل الاختيار الواعي أن تضحي اليوم، لتحمي الغد.
وهنا، اكتشفت الحقيقة التي غيّرتني: أنني بطلة خارقة.
لا أطير،ولا أملك قوى خارقة كما في الأفلام، لكنني أستيقظ كل صباح رغم التعب، أُنجز و أبتسم وأكمل الطريق.
بطلة خارقة لأنها لم تتوقف.
بطلة خارقة لأنها لم تستخدم ظروفها كعذر.
بطلة خارقة لأنها جمعت بين العقل والقلب،
بين الالتزام والرحمة، بين العمل والحياة.
تسعة أشهر كانت كافية لأدرك أن النساء
لسن مخلوقات عادية،
بل قوى صامتة تمشي على الأرض.
نحن نعمل،
ونرعى،
ونحب،
ونسهر،
ونصبر،
ثم نعود في اليوم التالي لنمنح من جديد.
وحين انتهت الرحلة، ولد الحُب من الألم وجاءت منيرة، معجزتي الصغيرة التي أنارت كل ما حولي.
لم تكن مجرد طفلة وُلدت، بل وعدًا من الله
بأن بعد الصبر نور، وبعد الانتظار حياة.
لكن قصة كل إمرأة عاملة لم تنتهِ عند الولادة !
فكرة أن تعود المرأة إلى عملها، وتترك ذلك الكائن اللطيف خلفها، لأكثر من سبع ساعات، يتخللها طريق الذهاب والعودة، هي من أكثر حقائق الأمومة قسوةً
ولا أحد يتحدث عنها، او يتجرأ على خوض النقاش فيها، لأن الجميع يجدها لحظات اختيارية، تختار فيها الأم الوظيفة عن الأمومة! ولا يستوعب أحدهم،
عن لحظة إغلاق الباب،
عن الصوت الذي يبقى خلفه،
عن القلب الذي يُترك هناك
ويمضي الجسد إلى المكتب.
نذهب إلى العمل ونحن نبدو بخير،
نُنجز، نبتسم، نحضر الاجتماعات،
لكن في داخلنا امرأة
تعدّ الدقائق حتى تعود.
امرأة تسأل بصمت:
هل شبعت؟
هل نامت؟
هل بكت؟
هذه معركة لا تُكتب في تقارير الأداء.
ولا تُقاس في جداول الإنتاجية.
لكنها أثقل ما تحمله المرأة العاملة.
ومع ذلك… نستمر.
ليس لأن الأمر سهل، بل لأننا أقوياء.
نستمر لأننا نؤمن أن أبناءنا يستحقون أمهاتٍ
يعلمونهم معنى الاستقلال، والكرامة، والسعي.
وحين نعود في المساء، ونحتضنهم، نستعيد أنفاسنا،
ونعرف أن كل تعب النهار كان يستحق تلك اللحظة.
أنظر اليوم إلى منيرة، فأشعر أن العالم أصبح أهدأ،
وأن قلبي امتلأ بسلامٍ لم أعرفه من قبل هي ليست فقط ابنتي، هي قصتي .. قصة كُتبت بصبر، ودموع، وحب لا ينتهي.
وأشكر الله أولًا، ثم أهلي، وزوجي وعائلتي الثانية، وصديقاتي، وفريق عملي وقيادتي الذين كانوا نموذجًا حقيقيًا للدعم الإنساني والتفهّم.
ذلك النوع من الدعم لا يصنع نجاحًا مهنيًا فقط، بل يصنع ولاءً وامتنانًا من القلب.
واليوم… أقولها بثقة وهدوء امرأة عرفت نفسها:
استقبل تهانيكم، بمناسبة حصولي على وظيفة بعقدٍ مدى الحياة.
وظيفة اسمها:
أمومة،
وقوة،
وامرأة…
عرفت أخيرًا كم هي عظيمة.
06/01/2026 💜

أضف تعليق