الأمومة حين يتسع القلب لما لم يحتمله الجسد

لم تكن تجربتي مع الولادة حدثًا طبيًا بقدر ما كانت تجربة نفسية كثيفة، متراكبة، ومتداخلة المشاعر.

مررتُ بتجربة الولادة الطبيعية كاملة، ألم الطلق، محاولات التقاط النفس الكثير من البكاء والدعاء وإقناع النفس أن مع نهاية هذا الألم سوف تظهر أجمل طفلة، قبل أن تنتهي الرحلة بولادة قيصرية طارئة، لم تكن خيارًا، بل ضرورة لإنقاذ حياتين في آنٍ واحد: حياة طفلتي وحياتي.

هذا التتابع السريع للتجارب لم يمنح الوعي فرصة للفهم، فكل انتقال كان أسرع من قدرة النفس على الاستيعاب وفي علم النفس، حين تتجاوز التجربة قدرة العقل على المعالجة اللحظية، لا تختفي بل تُخزَّن، وتعود لاحقًا على هيئة مشاعر مبهمة، أو تساؤلات، أو ثقل داخلي غير مفسَّر.

أتذكر الركض في ممرات غرفة العمليات، وتوقيع الموافقة بيدٍ لا تزال متشبثة بفكرة الولادة الأولى والذعر والخوف، ثم البرودة، واختفاء الأصوات فجأة،كأن الإدراك انسحب حمايةً للنفس من الصدمة.

حين أُيقظت بعد العملية، لم يُعدني الألم إلى الواقع،بل جملة واحدة من طبيبتي : “أنجبتِ طفلة جميلة تشبهك.” في تلك اللحظة، لم أفهم ما قيل بقدر ما شعرت أنني نجوت.

في الإفاقة، كان الوعي يتشكل حول سؤال واحد فقط:أين هي؟ أين طفلتي؟ وهذا السؤال — نفسيًا — كان أول تعبير عن الأمومة؛ أن يصبح وجود آخر هو مركز الإدراك، حتى قبل اكتمال الوعي بالذات.

المشاعر التي أعقبت ذلك لم تكن فرحًا صافيا،بل مزيجًا غريبًا من الذهول، والخوف، والحب المؤجل، وشعور داخلي بأنني عبرت شيئًا أكبر من قدرتي على التسمية.

ثم بدأ الجسد يعلن حدوده:

صعوبة الوقوف،

أولى الخطوات المرتجفة،

الغثيان الذي يلي الجراحة،

والإحساس بأن جسدي لم يعد ملكي وحدي.

ومع ذلك… لم أكرهه.

بل على نحوٍ غير متوقع،

أحببت وهني،

وأحببت تعبي،

وأحببت ألمي.

الأمومة — نفسيًا — من أغرب المشاعر التي قد يختبرها الإنسان؛ أن تحب الألم لأنه كان الطريق، وأن ترى الضعف بوصفه دليلًا على العطاء، وأن يصبح التعب ذا معنى بمجرد رؤية تِلك الطفلة الجميلة وهي لا تعرف شيئًا عن حجم ما دُفع ثمنًا لوجودها بعد – حفظ الله ورعايته- كانت تلك اليدان كافيتين لإعادة تعريف كل ما ظننته سابقًا عن القوة، والاحتمال، والمحبة.

لاحقًا، جاءت مرحلة التعافي، بكل ما اتُّفِق عليه طبيًا واجتماعيًا من تعليمات والتزامات. لكن نفسيًا، لم يكن التعافي مسألة التئام جرح فحسب، بل محاولة لفهم ما حدث، وترتيب مشاهد متسارعة، والتصالح مع تجربة لم تكن واحدة بل كثيرة.

أدركت أن تجاوز التجربة لا يعني نسيانها،ولا اختصارها،ولا الادعاء بأنها كانت “طبيعية”. بل يعني السماح لها بأن تكون كما كانت:

مربكة، مخيفة،ومليئة بمحاولات النجاة – بإذن الله-.اليوم، أفهم أن الأمومة لا تبدأ بالطفل وحده، بل تبدأ بلحظة ينهار فيها تصورك القديم عن نفسك، ويولد مكانه وعي جديد:

أضعف، وأقوى، وأعمق في الوقت ذاته وإن كنت قد خرجت من تلك التجربة بشيء واحد يقينًا، فهو هذا:

أن بعض الآلام لا نُشفى منها بل نحبها، لأنها كانت الطريق إلى معجزة صغيرة.

لم تكن الأمومة دخولًا هادئًا إلى حياة جديدة، بل اقتحامًا كاملًا لكل ما كنت أظنه ثابتًا داخلي.

في تلك اللحظة التي فُصل فيها جسدي عن وعيه لم أكن أفقد السيطرة فحسب، كنت أُجرد من أوهام كثيرة: 

أنني أفهم جسدي، أنني أتحكم بالنهايات، أن الحب يأتي بلا ثمن.

حين استيقظت، لم أستيقظ كامرأة أنجبت،بل كامرأة أُعيد تشكيلها.

فالولادة — نفسيًا — ليست خروج طفل فقط،بل انهيار هوية قديمة، وبدء تشكل هوية لا تمنح صاحبها وقتًا للحزن على ما فقد.

بحثي عن طفلتي لم يكن غريزة أمومة فقط، بل كان محاولة لا واعية لاستعادة المعنى لأن النفس، حين تمر بصدمة، تتشبث بأول رمز للحياة كي لا تغرق وكانت “منيرة” ذلك الرمز.

الأمومة لا تمنحك الحب أولًا، بل تمنحك الخوف.

الخوف من الفقد، من العجز، من ألا تكوني كافية.

أحببت ألمي، لا لأن الألم جميل، بل لأنه كان الدليل الوحيد على أنني عبرت.

أحببت وهني، لأنه كشف لي أن القوة ليست صلابة، بل قدرة على البقاء واقفة بينما كل شيء فيّ يرتجف.

وأحببت تعبي،لأنني حين رأيت تلك اليدين الصغيرتين، فهمت أن بعض الأجساد تُنهك كي تلد قلبها💖.

في سنوات دراستي لعلم النفس تعلمت بأن الإنسان يبحث عن المعنى ليحتمل الألم لكن الأمومة تقلب المعادلة: هي تجعل الألم هو المعنى ذاته.

في كل مرة شعرت فيها بثقل الجرح، أو بغثيان، أو بعجز الخطوة الأولى، لم يكن داخلي سؤال:

“لماذا أنا؟” بل كان هناك يقين غريب وصامت:”لو عاد الزمن، لاخترت الطريق نفسه.”

وهذا هو أكثر ما يرعبني ويطمئنني في آن واحد: أنني لم أُجبر على حب ما حدث، بل أحببته طوعًا، لأن نتيجته كانت حياة تنبض خارج صدري.

مرحلة التعافي من الولادة لم تكن شفاءً، بل تعايشًا.

تعلمت أن أحمل طفلتي بيد، وذاكرتي الثقيلة باليد الأخرى.

أن أبتسم بينما داخلي لا يزال يحاول ترتيب الصور:

غرفة العمليات، الضوء الأبيض، البرودة، صوتي الذي اختفى، والعودة المفاجئة إلى العالم بخبر أنني أصبحت أمًا.

الأمومة لا تعالج الصدمة، لكنها تمنحك سببًا لتواجهها.

ولا تمحو الألم، لكنها تعطيه معنى اليوم، حين أنظر إلى طفلتي، لا أرى فقط حياة جديدة، أرى امرأة قديمة لم تنجُ، وأخرى وُلدت مكانها.

امرأة تعرف الآن أن أقصى درجات الحب قد تمر عبر غرفة عمليات، وعبر جسد مفتوح، وعبر خوف صامت،كي تصل إلى يدين صغيرتين لا تعرفان أنهما أنقذتا أمًّا قبل أن تُنقذا، وأنهما سر نجاتي، وسعادتي، وأن كل شيء قبلهما، ليس له معنى!

وهنا، أفهم أخيرًا لماذا تتجنب الأمهات الحديث عن الولادة.

ليس لأن التجربة كانت مؤلمة فحسب، بل لأنهن حين يتذكرنها، يتذكرن اللحظة التي انكسرن فيها ولم يعدن كما كنّ أبدًا.

ثم تأتي تلك اللحظة الهادئة ظاهريًا، حين ينام الجميع، وتبقى الأم وحدها مع جسدها، ومع ذاكرة لم تُمنح حق الكلام بعد.

هناك، في العتمة، تبدأ الأسئلة التي لا يجرؤ أحد على طرحها نيابةً عنها:

هل كان خوفي مبررًا؟ هل ضعفي كان فشلًا؟ هل يحق لي أن أكون ممتنة وفي الوقت نفسه منهكة، مرتبكة،ومكسورة؟

نفسيًا، هذا التناقض ليس خللًا، بل ذروة التجربة أن تجتمع النجاة والصدمة في اللحظة نفسها، أن يولد الحب من رحم الخوف، وأن تتشكل الأمومة في منطقة رمادية لا تشبه الصور المعلّقة على الجدران ولا العبارات الجاهزة.

الأمومة لا تسأل إن كنتِ مستعدة الآن!

هي تأتي وتعيد ترتيبك بالقوة، تأخذ منك السيطرة،

وتمنحك بدلًا عنها معنى أثقل مما توقعتِ، وأعمق مما كنتِ تحتملين.

حين أنظر إلى طفلتي، معجزتي لا أبكي لأننا نجونا،بل لأنني أعرف — في مكانٍ سري داخلي — كم كان الثمن.

أعرف عدد اللحظات التي ظننت فيها أنني أفقد نفسي، بينما كنت في الحقيقة أصنعها من جديد.

الألم الذي لا يُعترف به لا يختفي،بل يتخفّى.

ولهذا كان لا بد لي أن أكتب، أن أستعيد المشاهد،أن أضع الكلمات في أماكن الجروح، لا لأفتحها، بل لأمنحها اسمًا.

فالشفاء النفسي لا يبدأ حين يتوقف الألم، بل حين نكفّ عن الهروب من قصته.

اليوم، لا أبحث عن تجاوزٍ كامل، ولا عن نهاية نظيفة.

أنا أبحث عن صدق. عن مساحة أقول فيها:

نعم، كنت خائفة.

نعم، تألمت.

نعم، لم أكن قوية طوال الوقت.

ونعم أحببت التجربة رغم ذلك كله.

لأن الأمومة علمتني شيئًا واحدًا لا يمكن التراجع عنه:

أن القوة ليست في الصمود الصامت، بل في الاعتراف.

وأن الحب الحقيقي قد يبدأ في أكثر اللحظات فوضى، حين لا نملك شيئًا سوى أن نمد أيدينا المرتجفة نحو حياة صغيرة تعلّمنا — دون أن تدري — كيف ننجو.

وحين تكبر طفلتي يومًا، ربما لن تعرف تفاصيل قصتها  منذ سعادتنا بإيجابية الحمل حتى ولادتها التي كانت أشبه بيوم العيد، لن تعرف خوفي الذي كنت أخفيه بابتسامة واهنة وأنا ووالدها نلتقط ذكرياتنا وهي داخلي قبل ولادتها لكنها ستعرف.

وسأعترف أنني، في تلك اللحظة، لم أنجبها فقط بل أنجبت نفسي معها.

ثم يأتي ذلك الإدراك المتأخر، أن تستيقظي أمًّا.. بعد تِلك المفاجآت .. قبل أن تلتقطي أنفاسك لإستيعاب كل ما حدث وأنت لا تزالين تحاولين لملمة نفسك أن يُتوقع منكِ الفرح الكامل وأنتِ لم تنتهي بعد من الارتجاف ما بعد العملية

نفسيًا، هذه فجوة عميقة: فجوة بين ما يشعر به الداخل وما يُسمح له أن يُقال في الخارج.

ولهذا تبكي الأمهات بصمت، ليس ضعفًا، بل لأن اللغة تخونهن.

الأمومة لا تسرقك دفعة واحدة، هي تفعل ذلك ببطء…

تأخذ نومك، ثم جسدك، ثم يقينك، ثم تعيدك إليك

بنسخة مختلفة، أكثر هشاشة وأكثر شراسة في الحب.

فقد شعرت بثقل غريب في صدري، ليس حزنًا،بل معرفة.

معرفة أنني صرت مسؤولة عن حياة بينما لا أملك ضمانات لحياتي أنا.

أنني أحب بلا شروط في عالم لا يمنح الأمان.

وهنا تحديدًا

تحدث المعجزة المؤلمة:

أنك لا تتراجعين لا تقولين “هذا كثير”.

بل تتقدمين خطوة أخرى، رغم التعب، رغم الخوف،رغم أنك لم تتعافي تمامًا.

هذا ما لا يُقال عن الأمومة:

أنها لا تنتظر شفاءك، بل تمشي معك وأنتِ مجروحة،وتعلّمك كيف تكونين حاضنة للحياة وأنتِ ما زلتِ تتعلمين كيف تحضنين نفسك.

أحببت يدي طفلتي لأنهما كانتا صغيرتين حدّ أنهما لم تعرفا كم أنقذتاني.

أحببتهما لأنهما جعلتا لكل ألم معنى، ولكل وهن كرامة، ولكل تعب أجرًا وحبًا.

ولو عاد بي الزمن إلى تلك الممرات الباردة، وإلى ذلك التوقيع المرتجف، وإلى تلك اللحظة التي اختفى فيها الصوت

وكدتُ أختفي معه…

لخفتُ مجددًا.

نعم.

لكنني كنت سأمضي.

لأن بعض التجارب لا تُقاس بما أخذته منك، بل بما أضافته إلى قلبك إلى الأبد.

وهكذا أفهم الأمومة الآن:

ليست بطولة، ولا تضحية رومانسية،

ولا قصة تُروى بلطف.

هي زلزال داخلي، يهدّمك ثم يتركك واقفة تحملين العالم

بين ذراعيك بكل حُب

وهنا، في هذا الصمت، أفهم الحقيقة النهائية:

الأمومة ليست لحظة،ولا يومًا، ولا تجربة يمكن وضعها في كلمات كاملة.

هي سلسلة من الانكسارات الصغيرة، ومن إعادة بناء نفسك مرة بعد مرة، حتى تصبحي شخصًا لم تعرفيه من قبل.

أعرف الآن أن خوفي لم يكن ضعفي، وأن وهن جسدي لم يكن عيبًا، وأن تعبي لم يكن عبثًا.

بل كان الطريق الذي علّمني كيف أحب بلا شروط، كيف أصبر بلا ضمانات، وكيف أحتضن حياة صغيرتي مع أنفاسي المرتجفة، وعينيها التي تنظران إليّ كما لو كنتِ كل العالم بالنسبة لها.

وأعلم أيضًا أنني لن أتعافى تمامًا أبدًا، لأن بعض الجراح تبقى علامة، لكنها ليست على ضعفي، بل على قدرتي على الحب، على القدرة على الوقوف مرة بعد مرة،على القدرة على العيش مع كل ذلك الألم، وهكذا، كل مرة أنظر فيها إليها، أرى كل ما مررت به وأبتسم، وأبكي في الوقت نفسه، لأنني أحببت كل لحظة، حتى أصعبها، حتى أضعفها، لأنها صنعتني،وأحضرتني إلى هنا،إلى حضن حياة جديدة،حيث أصبح الحب أعمق، والشجاعة أغرب، والألم مقدسًا.

وأنا أعلم، بلا أي شك، أن هذه اليدين الصغيرتين

ستظل دائمًا تذكرني بأن أجمل الحب، أقوى القوة،

وأصدق المعجزات، تولد من الألم، من الخوف، ومن الوهن.

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑