ثمة لحظة تمرّ على المرأة، لا تُشبه أي لحظة أخرى؛
لحظة تقف فيها أمام حياتها بصمت، وتتأمل كل ما عبرته، ثم تسأل نفسها بصدق:
هل ما زلتُ أنا؟
مررتُ بهذه اللحظة في أول يوم عمل بعد الأمومة.
لم تكن عودة عابرة إلى المكتب، بل كانت مواجهة هادئة مع كل ما صنعني مع سنوات السعي الأولى، مع التعب الذي مرّ بي، مع الشغف الذي ظلّ يقاوم كل التحولات، ومع النسخة الجديدة مني.
رحلتي لم تبدأ من هنا بل بدأت منذ مقاعد الجامعة، حين خضت تجربتي الأولى كباحثة ميدانية مع الهيئة العامة للإحصاء، في تلك الأيام المبكرة، تعلّمت أن الالتزام لا يُقاس بعدد الساعات، بل بصدق الحضور، وبالأثر الذي يبقى بعد أن ينتهي كل شيء.
وكان التطوع آنذاك جزءًا من تكويني؛ ليس نشاطًا جانبيًا، بل مساحة يتسع فيها الإنسان لنفسه وللآخرين.
بعد التخرج، أخذتني الرحلة إلى محطات متعددة؛
من قطاع الترفيه – شركة ووش ، إلى القطاع الأكاديمي – معهد الإدارة العامة، وصولًا إلى الهيئة السعودية للمياه.
وكان كل انتقال يبدو في ظاهره تغييرًا كبيرًا في المسار، لكنه في داخلي كان اتساعًا في الرؤية.
كل تجربة منحتني لغة جديدة للفهم، ومساحة أوسع للتفكير، ومرونة أكبر في قراءة التحديات، وإبداعًا بلمسات خاصة تعلمتها بالتجربة.
لم تكن الرحلة دائمًا سهلة، كانت هناك أيام يثقلها التعب، وحتى اللحظات التي كنت فيها على سرير المستشفى وأعمل بكل حُبٍ وشغف.
ومع ذلك، لم ينطفئ ذلك الجزء مني الذي يجد في العمل متعته الخاصة.
أدركت مبكرًا أنني لا أعمل فقط لهدف العمل ولا الوصول، بل لأن العمل نفسه جزء من المعنى الذي أعيشه.
ثم جاءت الأمومة، لا لتغيّرني بالكامل، بل لتكشف لي عمقًا آخر في ذاتي.
في أول يوم عدت فيه إلى العمل، حملت في قلبي شوقًا لطفلتي التي اضطررت لتركها لساعات، وكان الشوق يمشي بجانبي كرفيق طريق.
لكنني، وسط ذلك الحنين، شعرت بشيء آخر شعرت بامتنان خفي لأنني ما زلت قادرة على أن أحب، وأبني، وأواصل، دون أن أخسر نفسي.
الأمومة لم تُصغّرني، بل وسّعتني، علّمتني أن الوقت ليس في كثرته، بل في بركته.
وأن الأولويات لا تُرتّبها الجداول بقدر ما يرتّبها الوعي.
وأن الصبر ليس انتظارًا، بل ثقة هادئة بأن الأشياء العظيمة تنضج ببطء.
وفي خضم كل هذه الأدوار، بقيت حقيقة واحدة تزداد وضوحًا في داخلي أدوار الأمومة، مهما كانت عظيمة، لا ينبغي لها أن تسحق أهم دور في حياة المرأة،استقلاليتها وكيانها.
فالمرأة التي تحافظ على ذاتها، لا تأخذ من أمومتها، بل تمنحها عمقًا أكبر.
والمرأة التي لا تخسر صوتها الداخلي، تمنح كل من حولها نسخة أكثر اتزانًا وصدقًا منها.
لهذا، كلما نظرت إلى رحلتي، أدركت أن أثمن ما صنعته التجارب في داخلي ليس الخبرة وحدها، بل هذا الإيمان العميق بأن الشغف الحقيقي لا يرتبط بمرحلة، ولا ينطفئ عند التحولات، بل يظل يسكن الإنسان لأنه جزء من هويته.
أنا لا أرى العمل محطة وصول، بل أراه مساحة حيّة أتعرف فيها على نفسي أكثر، مع كل تجربة، وكل دور، وكل بداية جديدة.
لأن بعض النساء لا تبحث عن الفرصة، بل تمضي في طريقها حتى تصبح هي الفرصة!

أضف تعليق