حين تُقلَب الرواية وتُسرَق الحقيقة بصوتٍ واثق

يغادر المبدعون أحياناً بصمت، لا لأنهم أقل شأناً، بل لأن المكان ضاق بما يحملونه من رؤى وصدق.

يغادرون حين يُصبح البقاء نوعاً من التنازل، والاستمرار إسرافاً في الذات.

ومع مرور الوقت، قد تُعاد كتابة حكايات رحيلهم، لا كما حدثت فعلاً، بل كما أراد البعض أن يُقنع بها نفسه والآخرين.

تُبدّل الأدوار، وتُختلق الأسباب:

“لم نعد بحاجة له”،

“هو لم يعد مناسباً”،

كأن الكفاءة تُقاس بالمزاج، لا بالعطاء، وكأن الإبداع يُستغنى عنه بسهولة.

في بعض البيئات، لا يُحتمل الاعتراف بالخسارة.

فالاعتراف بأنهم لم يستطيعوا الاحتفاظ بمبدع، يُثقل كاهل من بقي، ويكشف عجزاً كان مغطىً بالصمت.

لذا تُحرّف القصة، وتُكتب النهاية من جديد… لتُغطي على سؤالٍ لا يجدون له إجابة:

“لماذا لم تستطيعوا الاحتفاظ بهم؟”

وفي عالم العمل، الرواية الرسمية ليست دائماً الحقيقة.

فهناك من يبرع في صناعة الأعذار بدل بناء الفرص، وهناك من يجد راحته في طمس أثر الآخرين لئلا يُذكّره بعجزه.

لكن الحقيقة لا تموت، والأثر لا يُمحى.

فالكفاءة التي غادرت، قد لا تعود… لكنها تترك فراغاً شاهداً، وتُصبح معياراً مؤلماً لكل من يأتي بعدها.

أما القارئ المتأمل، فليتعلم:

أن ليس كل من غادر قد أُقصي،

وليس كل من بقي، كان الأجدر بالبقاء.

الزمان كفيلٌ بفرز الحكايات، غربالٌ دقيق لا يُبقي من الزيف شيئاً.

ومن حرّف الرواية خوفاً من مواجهة واقعه، لن يصمد أمام الحقيقة حين تعود بهدوء… وتستقر

فالأثر لا يحتاج لمن يدافع عنه، لأنه يتحدث بلغة لا تُجيدها الأقوال المزيفة.

والمكان الذي فقد المبدع، قد يُزيّن القصة بالكلام، لكنه يظل في داخله يدور في فراغ تركه من غادر.

لا تُقاس النجاحات بعدد من بقوا، بل بجودة من مضوا، وبالفراغ الذي لم يملأه أحد.

لذلك…

حين ترى الكفاءات تغادر بهدوء، لا تسأل فقط: “لماذا خرجوا؟”

بل تساءل أيضاً: “ماذا خسر المكان بخروجهم؟”

فالبعض يُغادر لأن المكان أصبح ضيقاً عليه،

والبعض يُبقي نفسه فيه، لأنه ضاق على كل شيءٍ فيه إلا على الوهم.

الحكمة هنا ليست في الرحيل ذاته،

بل في إدراك متى يكون الرحيل بصيرة…

ومتى يكون البقاء إضاعة وقت

فالمبدعون لا يرحلون عبثاً، ولا ينسحبون لأنهم لم يُجيدوا البقاء،

بل لأنهم أدركوا مبكراً أن الاستنزاف الصامت أخطر من الرحيل المعلن،

وأن المكان الذي لا يرى القيمة إلا بعد الفقد، لا يستحق أن تُهدر فيه القيمة من الأساس.

وفي البيئات التي لا تُجيد الاحتواء،

يُستبدل الحضور الحقيقي بالحضور الشكلي،

وتُقدَّم الولاءات الخافتة على الإنجازات الصاخبة،

ويُهمَّش المبدع لأنه يُربك التكرار، ويُزعج الثبات، ويُحرج الصمت.

أما الذين يحاولون إعادة صياغة المشهد بعد غياب المبدعين،

فلا يدركون أن الحكايات لا تُروى فقط، بل تُشعر…

وأن الجمهور، حتى وإن سمع القصة المعدَّلة، فإنه يشعر أن شيئاً ما ليس في مكانه.

الوعي لا يُخدَع طويلاً،

والأثر الحقيقي لا يُقلّد، ولا يُعوّض، ولا يُنسى.

لذا، لا تعنِك نفسك بالرد على الروايات،

فالرواية التي تحتاج لتبرير، قد فقدت صدقها قبل أن تُقال.

دع الأيام تمارس غربلتها،

ودع الأماكن تتحدث عن فراغها،

ودع الأثر، كما هو دوماً… يتكلم

رأي واحد حول “حين تُقلَب الرواية وتُسرَق الحقيقة بصوتٍ واثق

اضافة لك

اترك رداً على ابوهتان إلغاء الرد

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑