من يملك الكلمة بعد أن تُقال؟

في هذا العالم الذي لا يتوقف عن الحركة، لم يعد الكلام مجرد وسيلة تواصل بين إنسانٍ وآخر، بل أصبح مساحةً رمادية تتقاطع فيها النوايا مع التأويلات وتتشابك فيها الحقيقة بما يُقال عنها أكثر مما يحدث فعليًا فالكلمة اليوم لا تُقال فقط، بل تُدار وتختار بعناية وتُلقى بحساب ثم تبدأ رحلتها الطويلة خارج صاحبها، حيث لا يعود قادرًا على التحكم في مصيرها وهناك، في تلك المسافة بين القول والتلقي، تولد الشائعة بهدوءٍ يكاد لا يُرى “حين لا يكون الكلام بريئًا بل مدروسًا بعناية”

ليس كل ما يُقال كذبًا صريحًا، بل إن أخطر أنواع القول هو ذلك الذي يتخفّى في هيئة الحقيقة جملة ناقصة، تعليقٌ عابر، نبرة مترددة: “سمعت شيئًا” لا أعرف، لكن هناك ما يُقال”

هكذا تبدأ القصة لا أحد يكذب تمامًا، لكن الجميع يشارك في إعادة تشكيل المعنى.

الكلام المؤدلج لا ينقل الحدث بقدر ما يُعيد ترتيبه داخل ذهن المتلقي إنه لا يخبرك بما حدث فحسب، بل يهمس: كيف ينبغي أن تفهم ما حدث ؟ وهنا تحديدًا تكمن الخطورة فمن يُشعل الكلام لا يملك بعدها أن يتحكم فيه، كما يقول المثل: “لا تشب النار وتزعل من دخانها.”

فالشائعة لا تولد كاملة، بل تتكوّن تدريجيًا ككائن ينمو في الظل.

في البداية، تكون مجرد همسة صغيرة، فكرة غير مكتملة، سؤال بلا إجابة ثم تنتقل من فم إلى آخر، وفي كل مرة لا تعود كما كانت يُضاف إليها شيء، ويُحذف منها شيء، حتى تصبح قصةً مختلفة تمامًا عن أصلها الأول.

الغريب أن أحدًا لا يشعر أنه يختلقها الجميع يظن أنه “ينقل ما سمع”.

لكن ما يُنقل في الحقيقة ليس الكلام بل الانطباع.

ومع التكرار، تكتسب الشائعة ملامح الحقيقة ليس لأنها صادقة، بل لأنها أصبحت مألوفة.

 حينها يروادنا سؤال لماذا نصدق ما لا نعرفه؟

هناك في داخل الإنسان ميلٌ خفيّ لتصديق ما ينسجم مع حدسه الأول، أو مع الصورة غير المكتملة التي يحملها مسبقًا وإن لم تكن هناك صورة، فإن الشائعة تتكفل ببنائها.

نحن لا نبحث دائمًا عن الحقيقة، بل عما يبدو منطقيًا بما يكفي لنشعر بالراحة تجاهه.

ثم هناك شيء آخر أكثر إنسانية “الرغبة في أن نكون داخل الدائرة، أن نعرف ما لا يُقال علنًا، أن نمتلك “نسخة خاصة” من القصة” وهكذا، دون وعي، نشارك في انتشارها.

السمعة ليست حقيقة صلبة، بل إحساس جماعي يتكوّن ببطء ثم قد ينهار بسرعة لا تُصدق.

قد يبني الإنسان صورته على مدى سنوات، لكن يكفي تلميحٌ واحد غير محسوب، حتى تبدأ الصورة بالاهتزاز

والأصعب من ذلك أن من يتضرر من الشائعة يجد نفسه في منطقة بلا توازن إن صمت، فُهم صمته على أنه اعتراف، وإن تحدث، بدا دفاعه وكأنه ارتباك.

كأن الشائعة لا تكتفي بالانتشار، بل تُحكم تصميمها بحيث تُغلق كل المخارج.

مقاومة هذا النوع من التشوّه لا تبدأ بالصوت العالي، بل بالوعي الهادئ.

أن يتعلّم الإنسان أن يتوقف قبل أن يُكمل الجملة التي لم يسمعها كاملة أن يسأل: هل هذا حقيقة أم تفسير؟ هل هذا نقل أم انطباع؟

المجتمع الذي يحمي نفسه من الشائعة ليس المجتمع الذي لا تُقال فيه الشائعات، بل الذي يتباطأ فيه الناس قبل تصديقها حيث تصبح الكلمة مسؤولية، لا عادة.

وقد يبدو الأمر بسيطًا: جملة عابرة هنا، تعليق خفيف هناك لكنه في العمق يشبه حجرًا صغيرًا يُلقى في ماءٍ ساكن، ولا أحد يعرف إلى أي مدى ستصل دوائره.

لهذا، تبقى الكلمة امتحانًا أخلاقيًا خفيًا ليس فيما نقوله فقط، بل فيما نسمح له أن يستمر بعدنا.

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑