كنت أتابع فيلمًا وثائقيًا يحكي بأنه في إحدى الليالي العاصفة، كانت سفينة ضخمة تشق طريقها عبر المحيط كان البحر يبدو هادئًا من بعيد، لكن أجهزة الملاحة كانت ترسم صورة مختلفة، خطر يقترب، والمسار يقود إليه مباشرة.
في غرفة القيادة، راقبت مساعدة القبطان المؤشرات بقلق. أعادت التحقق منها أكثر من مرة، ثم تقدمت نحوه وقالت:
“سيدي، يجب أن نغيّر الاتجاه فورًا هناك خطر أمامنا، وما زال لدينا الوقت لتجنبه.”
نظر إليها القبطان نظرة يعرفها كل من حاول يومًا أن يقول الحقيقة لمن لا يريد سماعها نظرة تقول: أنتِ لا تفهمين.
أجاب بثقة: “أعرف ما أفعله.”
حاولت مرة أخرى، لكن القرار كان قد اتُخذ وعادت إلى مكانها وهي تدرك أن المشكلة لم تعد في البحر، بل في أن أحدًا لم يعد مستعدًا للاستماع.
مرت الدقائق.
اشتدت الرياح، وارتفعت الأمواج، وتحولت التحذيرات إلى إنذارات متواصلة وعندما أدرك القبطان حجم الخطر، كان الوقت قد تأخر حاول تغيير المسار، وحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن البحر لا يمنح دائمًا فرصة ثانية.
وبعد وقت قصير، كانت السفينة في قاع البحر “ولم ينجُ أحد”
ما شدّني في هذه القصة ليس الغرق نفسه، بل اللحظة التي سبقته تلك اللحظة التي كان فيها الإنقاذ ممكنًا، وكان القرار الصحيح حاضرًا على لسان شخص ما، لكنه لم يُسمع لم تمت تلك الأرواح بسبب عاصفة لا يمكن التنبؤ بها، ولا بسبب عطل مفاجئ لا حيلة فيه مات الجميع لأن شخصًا واحدًا قرر أن منصبه أعلى من الحقيقة.
وهذا بالضبط ما يجعل القصة مؤلمة إلى هذا الحد.
كثير من الإخفاقات في بيئات العمل لا تبدو بهذه الدراما، لكنها تحمل الجوهر ذاته؛ شخص يرى مشكلة قادمة، يلفت الانتباه إليها، فلا يجد آذانًا تسمع ثم تقع الأزمة، وتُعقد الاجتماعات، وتُكتب التقارير، وتُوزَّع المسؤوليات،لكن نادرًا ما يُطرح السؤال الأهم: هل كان هناك من رأى ما سيحدث مبكرًا ولم ننصت إليه؟
الأكثر إيلامًا أن ذلك الشخص يعرف الإجابة يعرف أنه قال ما يجب قوله، ويعرف أيضًا أنه لو قاله مرة أخرى فلن يُسمع على الأرجح.
وفي كثير من الأحيان لا يكون السبب نقصًا في الكفاءة، بل خوفًا متخفيًا في ثوب السلطة.
بعض المدراء لا يهمشون أصحاب الرأي لأنهم مخطئون، بل لأن وجودهم يكشف ما يحاول المدير الهروب منه داخل نفسه: الخوف من الخطأ، والخوف من فقدان السيطرة، والشعور بأن الاعتراف بصواب شخص آخر ينتقص من مكانته.
ولهذا يكون أول من يُستبعد غالبًا هم أكثر الموظفين انتباهًا، وأكثرهم قدرة على رؤية المخاطر قبل وقوعها فهم يطرحون الأسئلة الصعبة، ويشيرون إلى ما لا يريد الآخرون رؤيته ومع الوقت لا يبقى حول المدير إلا من يوافقه، فيتحول الصمت إلى ثقافة، ويصبح الخطأ نتيجة متوقعة لا مفاجأة.
القيادة الحقيقية لا تعني أن تكون دائمًا على حق بل أن تمتلك من الثقة ما يكفي للاستماع إلى من هو أقرب إلى المشكلة منك أن تدرك أن المنصب لا يمنحك رؤية أوسع تلقائيًا، بل قد يمنحك أحيانًا رؤية أضيق، لأنك ابتعدت عن التفاصيل واقتربت من يقينك.
تلك المساعدة لم تكن تطلب أن تقود السفينة كانت تطلب فقط أن يُنظر إلى ما رأته لكن حتى هذا كان أكثر مما استطاع القبطان أن يمنحه.
غرقت السفينة، وغرق معها كل من كان يمكن إنقاذه، لأن الاستماع وحده كان سيكفي.
وقبل أن تغرق أي مؤسسة، أو فريق، أو مشروع، تكون هناك دائمًا إشارات مبكرة أشخاص يرون ما لا يراه الآخرون، ويحاولون التنبيه قبل فوات الأوان الفرق بين النجاة والفشل لا يكون دائمًا في امتلاك الإجابات الصحيحة، بل في القدرة على الإصغاء لمن يملكها.

أضف تعليق