في خضم انشغالاتي بأمومتي، الوظيفة الأبدية الممتعة والمستحقة – بإذن الله- وجدتني استمع إلى طلال مداح وهو يقول: «تسعة وعشرين عام.. ضاعت وسط الزحام»، أما سمر فتقول: «ثمانية وعشرين عام.. غارقة في النعم»، فكيف لتِلك الطفلة أن تكبر إلى هذا الحد؟
ولعلّ الفرق ليس في الأعوام، بل في الطريقة التي صرتُ أرى بها العالم، وفي الألطاف التي يخبّئها الله بين أيامنا نمضي ولا ندرك سعتها إلا حين نلتفت خلفنا، فنرى كم مررنا من البدايات، وكم مرّت بنا من النعم التي لم نعرف قدرها إلا بعد حين.
ثمانية وعشرون عامًا..
من الحب، والعطاء، والصدق، والدروس التي وسّعت قلبي، وأيامٍ صنعتني، وأخرى أعادت تشكيل روحي، وأحلامٍ تحقّقت، وأخرى أدركتُ لاحقًا أن رحمة الله كانت أجمل من تحقّقها
في شتاء عام ٢٠٢٢، كنتُ في الرابعة والعشرين من عمري، حين بدأتُ فصلًا جديدًا من حكايتي. فكانت سنةً حافلة بالبدايات؛ تخرّجتُ فيها من الجامعة، وبدأتُ أولى خطواتي في العمل، وعِشتُ فيها أقدس حُب، حُبي لـ ” عبدالله” يومها، أدركت أنني عرفتُ الحب، وأنني لامستُ معناه، وأن للقلب حدًّا يصل إليه في الاكتفاء
حتى جاءت بدايات عام ٢٠٢٦، وجاءت معها منيرة؛ نور الدنيا ونور قلبي.
ابنتي الحبيبة، التي لم تأتِ وحدها، بل جاءت ومعها عمرٌ آخر، وقلبٌ آخر، ومعانٍ لم أكن أعلم أن الحياة ما زالت تخبّئها لي
جاءت لتعلّمني أن الحب، مهما ظننتَ أنك عرفته، ما زال قادرًا على أن يفاجئك وأن في القلب مساحاتٍ لا تُكتشف إلا حين يأتي من يسكنها، وأن بعض المشاعر لا تشبه ما قبلها، ولا يمكن مقارنتها بشيء.
في عام ٢٠٢٢، ظننتُ أنني عرفتُ الحب، وفي عام ٢٠٢٦، اكتشفتُ أنني كنتُ أعرف وجهًا منه، وأن في القلب حبًّا آخر لم أعرفه إلا حين صرتُ أمًّا.
حبًّا يشبه منيرة تمامًا
يشبه أن يصبح قلبكِ خارج جسدكِ، وأن تتأمّلي وجهًا صغيرًا، فتشعري أن الله أودع فيه من الطمأنينة ما يكفي لترميم أعوامكِ كلّها.
أن تخافي على أحدٍ أكثر مما خفتِ على نفسكِ يومًا، وأن تتمنّي له من الدنيا ما لم تتمنّيه لنفسكِ، وأن يصبح دعاؤكِ له أطول من أحلامكِ لنفسكِ.
أن تكتشفي أن قلبكِ الذي ظننتِ أنكِ تعرفينه، كان يخفي كل هذا الاتساع، وأنكِ قادرة على أن تحبّي بهذا القدر، دون أن ينقص من حبّكِ شيء، بل كأن الحب كلّما ازداد، اتّسع له القلب أكثر
لم تأتِ منيرة لتجعل ما قبلها أقلّ جمالًا، بل جاءت لتمنح الأشياء أسماءً جديدة، ولتضيف إلى عمري معنى لم أعرفه من قبل.
جاءتني منيرة، وجاءتني معها نسخةٌ مني لم أكن قد التقيتُ بها بعد
تعلمت من خلالها أن أعظم النعم ليست دائمًا تلك التي نطلبها بأسمائها، بل تلك التي يختارها الله لنا، ثم نكتشف أنها كانت أجمل مما عرفنا أن نتمنّى.
وفي عيد ميلادي الثامن والعشرين، لا أريد أن أعدّ السنوات التي مضت، بقدر ما أريد أن أتأمّل النعم التي عبرت خلالها.
أن ألتفت إلى الطريق، فأرى لطف الله في بداياته ونهاياته، في عطائه ومنعه، في كل بابٍ فتحه، وفي كل بابٍ أغلقه، وفي كل مرةٍ ظننتُ أنني أعرف إلى أين أمضي، ثم ساقني الله إلى ما لم أكن أعلم أنني أحتاجه.
أنا اليوم لا أحتفل بعامٍ جديد فحسب، بل أحتفل بكل ما صرتُ إليه.
بالمرأة التي كنـتُها، وبالمرأة التي أصبحتُها، وبكل الدروس التي وسّعت قلبي، وبالحب الذي عرفته، وبالحب الذي ظننتُ أنني عرفتُه، ثم بالحب الذي جاءني في هيئة ابنتي.
ثمانية وعشرون عامًا، وأنا غارقةٌ في النعم.
لا لأن كل الأيام كانت سهلة، ولا لأن الحياة منحتني كل ما أردت، بل لأن الله كان كريمًا على نحوٍ يفوق قدرتي على الحصر، ولطيفًا على نحوٍ لا أفهمه كلّه، ورحيمًا حتى في الأشياء التي احتجتُ وقتًا طويلًا لأفهم حكمتها.
وإن سألني أحدهم عمّا أتمناه لعامي الجديد، فلن أطلب عمرًا خاليًا من العثرات، ولا طريقًا لا يعرف التعب، بل قلبًا لا يفقد امتنانه، وعينًا ترى النعم حتى في التفاصيل العابرة، وروحًا تظلّ مؤمنة بأن القادم يحمل من لطف الله ما يستحق الانتظار.
ثمانية وعشرون عامًا مرّت..
لكنني أشعر أن بعض الأعمار لا تبدأ يوم الميلاد، بل يوم يمنحك الله فيها سببًا جديدًا للحياة.
ولو أن ثمانيةً وعشرين عامًا قد مرّت، إلا أنها لا تُحسب بالطريقة نفسها.
فما كان قبل منيرة لم يكن.. وما كان بعدها سيكون.
وكل هذا، بفضلٍ من الله.
الحمد لله على ثمانيةٍ وعشرين عامًا مضت بلطفه، وعلى ما بقي من العمر
الحمد لله الذي أغرقني بالنعم، حتى صرتُ في عامي الثامن والعشرين لا أملك إلا أن أقول:
يا رب، ما أعظم عطاياك، وما أضيق لغتي عن شكرك.

اترك تعليقًا