ماذا سيبقى منا حين نموت؟

ليس الموت أكثر ما يؤلم الإنسان، بل ما يتركه الموت في داخله، فنحن لا نعيش موتًا واحدًا، بل نموت على دفعات في كل مرة يغيب فيها شخص، يُنتزع من داخلنا جزءًا لا يعود كما كان. 

نمضي بعدها وكأننا تعافينا، لكن الحقيقة أن ما حدث ليس شفاءً، وإنما اعتيادٌ على النقص.

في طفولتنا، يكون الموت قصةً نسمعها ثم يكبر معنا، فيصبح اسمًا نعرفه، ومقعدًا فارغًا على مائدة العائلة، وصوتًا لا يأتي إلا من الذاكرة، ورقمًا ما زال محفوظًا في الهاتف، رغم أننا نعرف أنه لن يجيب أبدًا.

يمضي الإنسان عامًا بعد عام، يحمل غياباته كما يحمل عمره  لا يشعر بثقلها في البداية، لأن الفقد يأتي متفرقًا، لكن الزمن لا يمحو الأحزان، بل يراكمها بصمت، حتى يأتي يوم يلتفت فيه إلى حياته، فيجد أن الذين كانوا يملؤون أيامه أصبحوا ذكريات أكثر من كونهم أشخاصًا.

ومع كل رحيل، لا نفقد شخصًا فحسب، بل نفقد نسخةً من أنفسنا، النسخة التي كانت تؤمن أن العمر طويل، وأن الوداع استثناء، وأن الأحبة باقون.

ثم يحدث ما هو أشد قسوة ؛ يعتاد الإنسان هذا الثقل، حتى يصبح جزءًا من طريقته في العيش يضحك وهو يحمل غياباته، ويعمل وهو مثقل بمن فقد، ويحتفل فيما المقاعد الفارغة تزداد عامًا بعد عام لا لأنه نسي، بل لأن الحياة لا تمنح أحدًا رفاهية التوقف.

ولطالما أثارني سؤالٌ واحد: كيف يستطيع الإنسان أن ينسى الموت، وهو الحقيقة الوحيدة التي لم تخلف موعدها مع أحد؟

ثم أدركت أن الإنسان لا ينسى الموت، بل ينسى حضوره يعيش أيامه وكأن النهاية بعيدة، حتى تأتي جنازة، أو خبر رحيل، أو مرض، فتصفعه الحقيقة من جديد وما إن تمضي الأيام، حتى يعود إلى نسيانه مرة أخرى.

وربما كان ذلك رحمة؛ فلو عاش الإنسان مستحضرًا موته في كل لحظة، لما استطاع أن يبني بيتًا، أو يغرس شجرة، أو يخطط لغدٍ قد لا يدركه.

لكن أكثر ما يثير دهشتي في الموت، ليس أنه يأخذ الأجساد بل أنه يعجز عن أخذ الكلمات.

فالكلمات لا تُدفن مع أصحابها.

تبقى حيّة، تتنقل بين الألسنة، وتعبر الزمن كما لو أن قائلها لم يغادر يومًا وربما لهذا لا يموت الإنسان تمامًا؛ لأنه يترك فيمن بعده شيئًا من نفسه، من منطقه، من حكمته، من طريقته في فهم الحياة.

(جدي ناصر) -رحمه الله- لم أعاصره يومًا. أعرف ملامح وجهه من الصور، وأجهل تمامًا صوته، ولا كيف كان يضحك ومع ذلك، أعرفه.

أعرفه من جملةٍ واحدة، ما زالت تتردد في بيتنا حتى اليوم:

“الصمت حكمة قليلٍ فاعله.”

أرددها كما يردداها أبي وأمي وهما يقولانها كما سمعاها من جدي. وستسمعها ابنتي يومًا، ثم تقولها لأبنائها، دون أن يكون أحد منهم قد رأى جدي ناصر.

تأملت ذلك طويلًا كيف يستطيع الموت أن يغيّب الإنسان، ولا يستطيع أن ينتزع أثره؟ كيف يغيب الجسد، بينما تبقى جملة واحدة قادرة على تهذيب سلوك أسرة كاملة، جيلاً بعد جيل؟

لعلنا نخطئ حين نظن أن الإرث هو ما يتركه الإنسان في يده.

الإرث الحقيقي هو ما يتركه في الناس.

في كلمةٍ تغيّر قرارًا، وفي خلقٍ يصبح عادة، وفي دعاءٍ لا ينقطع، وفي فكرةٍ تعيش بعد أن يصمت صاحبها.

ولعل الإنسان، في نهاية الأمر، لا يُقاس بعدد السنوات التي عاشها، ولا بعدد الأشياء التي امتلكها، بل بعدد المرات التي يُستحضر فيها وهو غائب.

فربما لهذا لا يكون الموت نهاية الإنسان، بل نهاية حضوره الجسدي فقط.

أما بقيته فتظل تمشي بين الناس على هيئة كلمة، أو خُلق، أو دعاء، أو ذكرى.

ولعل السؤال الذي يستحق أن نخاف منه ليس: متى سنموت؟

بل: ماذا سيبقى منا حين نموت؟

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑