هناك أشخاص لا يعيشون حياتهم، بل يعيشون في حياة الآخرين.
لا يهمهم ما أنجزوا، بقدر ما يهمهم ما أنجزه غيرهم ولا يسألون أنفسهم: كيف أصبح أفضل؟
بل يسألون باستمرار:
لماذا أصبح فلان أفضل مني؟
إنهم أولئك الذين جعلوا المقارنة وظيفة يومية، ومراقبة الآخرين هواية، وتأويل تصرفاتهم مهنة بلا راتب.
إذا رأوا إنسانًا سعيدًا، بحثوا عن سبب سعادته وكأن سعادته قضية تمس أمنهم الشخصي.
وإذا رأوا شخصًا ناجحًا، لم يقولوا: “ما أجمل نجاحه”، بل بدأوا في تفتيش النجاح بحثًا عن عيب يخفف من وطأة تفوقه عليهم.
وإذا اجتمع الناس من دونهم، قامت في داخلهم مأساة كاملة!
من دعاهم؟
لماذا لم يخبروني؟
ماذا قالوا عني؟
هل يتعمدون استبعادي؟
وكأن البشرية بأسرها عقدت اجتماعًا سريًا لمناقشة غيابهم!
والأكثر إثارة للشفقة أن بعضهم يعتقد أن الكون يدور حوله.
إذا ضحك شخصان، ظن أن الضحكة عليه.
وإذا همس اثنان، اعتقد أنه موضوع الحديث.
وإذا تغيرت معاملة أحدهم، جلس أيامًا يبحث عن الجريمة التي ارتكبها في حقه.
يا للعظمة الوهمية!
ليس كل ما يحدث في هذا العالم متعلقًا بك.
أحيانًا الناس يضحكون لأنهم سعداء، لا لأنهم يسخرون منك.
وأحيانًا يتحدثون سرًا لأن لديهم أمورًا تخصهم، لا لأنهم يخططون ضدك.
وأحيانًا يبتعد شخص عنك لأنه يريد الابتعاد، لا لأنه يخوض حربًا نفسية معك.
لكن من اعتاد أن يرى نفسه محور الكون، يصعب عليه تصديق أن العالم يستطيع أن يستمر من دونه.
والحقيقة الأكثر إيلامًا لهؤلاء أن الناس مشغولون بأنفسهم أكثر بكثير مما هم مشغولون به.
كل إنسان يحمل همومه، وقلقه، وحساباته، وخوفه من المستقبل. لديه من مشاكله ما يكفيه، ومن أفكاره ما يستهلكه، ومن حياته ما يشغله عن مراقبته في كل لحظة كما يتخيل.
لكن بعض النفوس لا تستطيع أن تتنفس إلا داخل المقارنة.
إن كان عندك شيء، أرادوه.
وإن فقدته، شعروا بالراحة.
وإن نجحت، بحثوا عن طريقة لتصغير نجاحك.
وإن فشلت، وجدوا في فشلك مناسبة للاحتفال الصامت.
إنها نفوس متعبة؛ لأنها لا تعرف قيمة نفسها إلا إذا استطاعت أن تقلل من قيمة غيرها.
وهنا يكمن الفرق بين الواثق والمتأزم.
الواثق يرى نجاح الآخرين ولا يشعر أن شيئًا سُرق منه.
أما المتأزم فيرى في كل نجاح حوله إدانة شخصية له.
الواثق يقول: “سأتعلم منه.”
والمتأزم يقول: “لماذا هو وليس أنا؟”
الواثق يبني طريقه.
والمتأزم يقف على جانب الطريق يعد خطوات الآخرين.
ثم تمر السنوات، ويكتشف المتأزم أنه كان مشغولًا جدًا بمراقبة حياة الناس، حتى نسي أن يعيش حياته.
وهذه هي المفارقة الكبرى:
من يقضي عمره في مقارنة نفسه بالآخرين، يمنح الآخرين سلطة على سعادته دون أن يشعر.
فإذا سبقوه حزن، وإذا تأخروا عليه غضب، وإذا نجحوا انزعج، وإذا فشلوا ارتاح.
وهكذا يصبح مزاجه رهينةً لحياة لا يملكها.
أي شقاء أكبر من هذا؟
لذلك، دع الآخرين يعيشون حياتهم.
دع الناجح ينجح.
دع الجميل يكون جميلًا.
دع الغني يستمتع بماله.
دع الناس يحبون من يحبون.
دعهم يجتمعون حيث يشاؤون.
دعهم يختلفون عنك.
ودع العالم يتحرك دون أن تضع نفسك في منتصف كل مشهد.
ليس مطلوبًا منك أن تكون أهم شخص في كل مكان.
قيمتك لا تحتاج إلى أن يكون الآخرون أقل منك.
ونجاحك لا يحتاج إلى فشل غيرك.
وحضورك لا يصبح أقوى لأن غياب الآخرين أضعف.
تعلم أن تقول لنفسك:
“هذه حياتهم، وهذه حياتي.”
عندها فقط ستخرج من ذلك السجن الذي بنيته بنفسك، وستكتشف أن العالم لم يكن يدور حولك أصلًا وأنك كنت تدور حوله، تراقب، وتقارن، وتتألم، بينما الحياة تمضي.
يا لها من خسارة أن يكتشف الإنسان متأخرًا أنه كان ينافس أشخاصًا لم يكونوا يعرفون أصلًا أنه ينافسهم.

أضف تعليق